
تتجه الولايات المتحدة نحو تقليص ملموس في منظومتها العسكرية المنتشرة بأوروبا، في مؤشر جديد على تراجع التزامات إدارة ترامب تجاه حلف الناتو، وذلك وفق ما كشفته صحيفة نيوزويك نقلًا عن نيويورك تايمز التي اطلعت على وثيقة سرية أُبلغت بموجبها الدول الأوروبية الأعضاء بتفاصيل هذا التحول، استنادًا إلى مسؤوليْن أوروبييْن رفضا الإفصاح عن هويتيهما.
قلق الحلفاء
تتمحور الخطوات المرتقبة حول أربعة محاور رئيسية تمس العمود الفقري للقوة الجوية الأمريكية في أوروبا، إذ تعتزم واشنطن خفض أعداد مقاتلاتها من طرازَي F-16 وF-15E من نحو 150 إلى 100 طائرة، وتقليص أسطول طائرات الاستطلاع البحري من 26 إلى 15 فقط، فضلًا عن سحب جميع طائرات التزود بالوقود جوًا البالغ عددها ثماني طائرات، وإعادة توزيع غواصة إطلاق صواريخ وحاملة طائرات مع ما يرافقها من سفن ومقاتلات.
وحذر جوزيبي سباتافورا من معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية من أن هذه التخفيضات مجتمعةً قد “تُلقي بظلالها على جاهزية الردع الأوروبي”، وإن أقر بأن بالإمكان التعامل مع كل منها بمعزل عن الأخرى.
وتزداد المخاوف حدة، في ضوء ما رصدته نيوزويك، من أن هذه الخطوات قد تُقيد قدرة الحلف على شن ضربات بعيدة المدى وتنفيذ مهام المراقبة، في وقت تتصاعد فيه التوترات مع روسيا.
تحول إستراتيجي
في مواجهة هذه المخاوف، يرى روجر هيلتون، الباحث في الشؤون الدفاعية بمركز أبحاث “جلوبسك” في فيينا، أن ما يجري “ليس جديدًا ولا مفاجئًا”، مؤكدًا لـ”نيوزويك” أنه ينبغي قراءته في سياق “تكيف الحلف المستمر، لا تراجعًا مفاجئًا في قدراته الدفاعية”.
ويُضيف أن واشنطن لا تزال تحتل مكانة القوة العسكرية الأولى داخل الناتو، وتعتمد على أوروبا في توفير القواعد والممرات وإسقاط القوة بعيدًا عن حدودها.
ويندرج هذا التحول ضمن سياق إستراتيجي أوسع، إذ تُعيد الإدارة الأمريكية ترتيب أولوياتها بين جبهتَي المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني، والشرق الأوسط حيث تستنزف الحرب ضد إيران جانبًا كبيرًا من قدراتها العسكرية.
وفي الإطار ذاته، أشارت وكالة رويترز في مايو الماضي إلى خطط أمريكية لتقليص المساهمات العسكرية لحلفائها في الأزمات الكبرى، وهو ما يُلقي بظلاله على قمة الناتو المرتقبة في تركيا يوليو المقبل، حيث يُتوقع أن يتصدر ملف الدور الأمريكي المتراجع جدول الأعمال.
ترامب يضغط.. وأوروبا تسعى للاستقلال
لا تأتي هذه التخفيضات من فراغ، بل تتزامن مع موجة من التوترات بين واشنطن وعواصم أوروبية عدة، إذ أعلن ترامب خفض عدد القوات الأمريكية في ألمانيا بمقدار 5000 جندي، وهو ما رأى فيه المراقبون ردًا مباشرًا على انتقادات المستشار فريدريش ميرز للحرب الأمريكية ضد إيران، كما أوقفت واشنطن دورية عسكرية كانت تضم أكثر من 4000 جندي في طريقها إلى بولندا.
وعلى الصعيد البريطاني، استقال جون هيلي من منصب وزير الدفاع احتجاجًا على ما وصفه بقصور خطة الاستثمار الدفاعي البريطانية عن مستوى التحديات الأمنية الراهنة، فيما أعقبه آل كارنز وزير القوات المسلحة باستقالته بعد ساعات.
وفي المقابل، يواصل ترامب مطالبته بأن ترفع الدول الأعضاء في الناتو إنفاقها الدفاعي إلى نسبة 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي.
وتكشف نتائج استطلاع أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مايو الماضي شمل نحو 19 ألف شخص في 15 دولة عن حجم التحول في المزاج الأوروبي، إذ لا يرى سوى 11% من المستطلعين أن إدارة ترامب “حليف” موثوق، مقارنة بـ22% في نوفمبر 2024، فيما أبدت غالبية المشاركين لا سيما في الدنمارك وهولندا والسويد والبرتغال وفرنسا رغبة صريحة في تقليص الاعتماد على السلاح الأمريكي.
وخلص المجلس، في بيان لـ”نيوزويك”، إلى أن “الطلب بات واسعًا على مستوى القارة لانتهاج سياسة دفاعية أوروبية مستقلة”.
ويرى هيلتون أن هذا التوجه يسير بالتوازي مع تصاعد الإنفاق الدفاعي الأوروبي وتوسيع قدرات إنتاج الأسلحة والدفاع الجوي، مؤكدًا أن “أوروبا تضطلع بدور متنامٍ في أمنها الخاص دون أن تُغادر منظومة الناتو”.
