
من القهوة إلى السكر وزيت النخيل.. النينيو يهدد سلاسل الغذاء العالمية
كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن تصاعد المخاوف في الأسواق العالمية مع تعاظم ظاهرة النينيو المناخية، التي باتت تُهدد الإمدادات العالمية من أبرز السلع الغذائية المتداولة، وسط توقعات بأن يُسجل الحدث الحالي مكانه بين أقوى الموجات المناخية منذ عام. وفي هذا الصدد، أشارت الصحيفة إلى أن هذه الظاهرة لا تطرق أبواب الأسواق منفردةً، بل تتشابك مع أزمة أسمدة خانقة وضغوط تضخمية قائمة، في مزيج يُنذر بصدمات غذائية موجعة تطال مئات الملايين حول العالم.
الأسواق تشتعل
لم تنتظر الأسواق المالية صدور تقارير الخسائر الفعلية لتتحرك، فمنذ بدء التحذيرات من تصاعد النينيو، قفزت أسعار قهوة الأرابيكا بنحو 30% لتبلغ 3.12 دولار للرطل، مسجلةً، في طريقها، أكبر مكسب يومي منذ 47 عامًا.
وعلى الوتيرة ذاتها، ارتفعت عقود الكاكاو الآجلة في نيويورك بأكثر من 63% في أقل من شهر، لتلامس 6455 دولارًا للطن، قبل أن تتراجع جزئيًا إلى نحو 5600 دولار.
ورصد محللو رابوبنك ظاهرة لافتة في هذا الارتفاع المتزامن بين سلعتين تختلف أسسهما الجوهرية اختلافًا كبيرًا، خالصين إلى أن المستثمرين باتوا يُضمنون أسعارهم “علاوة مخاطر النينيو” عبر طيف السلع الزراعية الناعمة.
وعلى الصعيد الكلي، قدر البنك المركزي الأوروبي أن موجات النينيو القوية ترفع أسعار السلع الغذائية العالمية بنسبة 9% في المتوسط، فيما حذر اقتصاديو جيفريز من أن هذا الرقم مرشح للتجاوز في ظل الضغوط التضخمية الراهنة المتعلقة بالتوترات الدولية.
النينيو يضرب بقوة
تتوزع مناطق الخطر الأعلى حول الحزام الاستوائي، حيث تتركز نسبة 88% من إنتاج الكاكاو العالمي في غرب إفريقيا والإكوادور وجنوب شرق آسيا، وكلها مناطق تتضرر تاريخيًا من النينيو، وفق ما وثقه رابوبنك.
وتكشف السجلات أن الإنتاج العالمي من الكاكاو تراجع بنسبة 12% إبان النينيو القوي جدًا في 1982-1983، وبنسبة 9% في 1991-1992، وبنسبة 13% خلال حدث 2023-2024، الذي صاحبه ارتفاع في متوسط سعر الكاكاو الموسمي بلغ 122%.
ويدخل السوق الحالي في هذه المواجهة وهو لم يتعافَ بعد من موجات الإخفاق المتتالية، مما يعني أن انخفاضًا طفيفًا في الإنتاج قد يُفضي إلى استجابة سعرية مضخمة.
وتُؤكد التقارير الميدانية هذه المخاوف، إذ يُهدد شح رطوبة التربة محصول كوت ديفوار القادم، فيما تفتك الأمراض الفطرية بمزارع غانا، مدفوعةً بالأمطار الغزيرة.
أما قهوة الروبوستا، فيُلقي عليها النينيو بظلاله عبر فيتنام وإندونيسيا والهند، حيث قد يُفضي الجفاف المطول إلى إفراغ الخزانات المائية المُعتمدة في ري مزارع البن، مما يُعرض موسم إزهار 2027-2028 للخطر.
ولخص كارلوس ميرا، رئيس قسم أسواق السلع الزراعية في رابوبنك، المشهد بقوله إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تنضب الخزانات كليًا في موسم الجفاف، فلا يجد المزارعون مياهًا لدعم المحصول التالي.
أزمة مركبة
لا يقف المشهد عند حدود المناخ وحده، إذ تتشابك تداعيات النينيو مع أزمة أسمدة خانقة نجمت عن اضطرابات سلاسل التوريد، ليجد المزارعون أنفسهم أمام معادلة قاسية، إذ تواجه المحاصيل الجفاف والحرارة، في وقتٍ يضطرون فيه إلى تقليص جرعات التسميد، مما يُضعف قدرة النباتات على الصمود.
وفي هذا السياق، حذر ماكسيمو توريرو، كبير اقتصاديي منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، من تهديد جدي يتربص بمحصولَي القمح الصلب والأرز في أستراليا والهند، واصفًا الوضع بأنه “تأثير مركب يكتنفه الخطر”.
وتمتد الصدمة لتطال بيرو، حيث أُوقف صيد الأنشوجة منذ مايو بسبب ارتفاع حرارة المحيط الهادئ، فتضاعفت أسعار دقيق السمك مقارنةً بالعام الماضي، وتجاوز سعر زيت السمك ثلاثة أمثاله منذ يوليو 2025.
سلع في مهب الريح
تطال مخاطر النينيو أيضًا قطاع السكر، إذ تراجع الإنتاج تاريخيًا في دول آسيا والمحيط الهادئ خلال موجاته القوية، وفق تحليلات ING.
وأقدمت الهند بالفعل على حظر صادراتها من السكر حتى نهاية سبتمبر، فيما رجح رابوبنك أن الخطر الأشد قد يكون في اضطرارها إلى الاستيراد حال وقوع صدمة إنتاجية كافية.
وتُضاف تايلاند إلى المشهد، مع توقعات بتراجع مساحة زراعة قصب السكر لصالح محاصيل أكثر ربحية.
وعلى الجهة المقابلة، قد تُعوض البرازيل جزءًا من الخسائر بمحصولها الكبير من القصب، غير أن أمطار النينيو المفرطة قد تُعطل عمليات الطحن.
ويتوقع سيتي بنك أن يرتفع سعر السكر الخام إلى 17 سنتًا للرطل خلال ثلاثة أشهر، وإلى 19 سنتًا خلال عام.
أما زيت النخيل، فتُحذر رابوبنك من مخاطر إنتاجية متصاعدة في إندونيسيا وماليزيا، اللتين تُنتجان أكثر من 80% من الإمدادات العالمية، مع توقع تفاقم الأثر مطلع عام 2027.
