مصر تدفع نحو الحل السياسي في اليمن وسط ترقب لموقفها من التطورات العسكرية
تتصدر الأزمة اليمنية المشهد السياسي الإقليمي مع تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة العسكرية وتهديد أمن الملاحة البحرية، في وقت تتحرك فيه مصر لدعم المسار الدبلوماسي، بالتزامن مع مناقشات بشأن طبيعة الدعم الذي يمكن تقديمه للسعودية في مواجهة التهديدات المرتبطة بهجمات الحوثيين.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى دول المنطقة، إذ لم تعد تداعيات الصراع محصورة داخل الأراضي اليمنية، بل امتدت إلى حسابات أمن الخليج العربي، واستقرار البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية عبر مضيق باب المندب. ويضع هذا المشهد القاهرة أمام معادلة دقيقة تجمع بين دعم أمن الدول العربية، والحفاظ على حرية الملاحة، وتجنب الانخراط في مواجهة واسعة قد تترتب عليها أعباء سياسية وعسكرية واقتصادية.
التحرك المصري بين دعم السعودية والتمسك بالدبلوماسية
أظهرت التطورات المعلنة في 22 أكتوبر أن القاهرة تدفع باتجاه إنهاء الأزمة اليمنية من خلال التفاوض، رغم وجود نقاشات بشأن مقترح لدعم السعودية عسكريًا في مواجهة الحوثيين. ووفقًا لتقرير نشرته رويترز، كان من المقرر أن يناقش البرلمان المصري المقترح في جلسة يوم 26 أكتوبر، بينما أشارت المعلومات المنشورة إلى أن التوجه المطروح يركز على الدفاع عن الأراضي السعودية، وليس إطلاق عمليات هجومية داخل اليمن.
ويعكس هذا التوجه محاولة للفصل بين مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في التضامن مع السعودية وحماية أمنها من الهجمات، والثاني يتعلق بمنع تحول الأزمة إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب احتواء نتائجها.
وتدرك مصر أن أمن الخليج يرتبط باستقرار المنطقة العربية عمومًا، وأن أي تهديد واسع للموانئ أو المطارات أو المنشآت الحيوية في السعودية يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة والاستثمارات. وفي الوقت نفسه، فإن التدخل العسكري المباشر في اليمن يحمل حسابات معقدة، بسبب طبيعة الصراع وتعدد القوى المحلية والإقليمية المنخرطة فيه.
ولهذا تكتسب الدعوات إلى التفاوض أهمية خاصة، إذ تتيح للدول المعنية البحث عن ترتيبات أمنية تضمن وقف الهجمات، وتحافظ على وحدة اليمن، وتمنع استخدام أراضيه منصة لتهديد الدول المجاورة.
لماذا يمثل باب المندب أهمية استراتيجية لمصر؟
لا يمكن فهم الموقف المصري من الأزمة اليمنية بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب والبحر الأحمر. فالممر البحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويشكل أحد الطرق المهمة التي تسلكها السفن التجارية المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وأي اضطراب أمني مستمر في هذا المسار قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير خطوطها أو زيادة إجراءات التأمين، بما يرفع تكلفة النقل ويطيل زمن وصول البضائع. كما أن تراجع الثقة في أمن الممرات البحرية قد يؤثر على حركة السفن العابرة لقناة السويس، وهو ما يجعل التطورات اليمنية قضية ترتبط مباشرة بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية.
وتتجاوز أهمية المضيق مسألة التجارة وحدها؛ إذ يرتبط أمنه بحرية الملاحة الدولية، وبقدرة الدول الساحلية على حماية مياهها الإقليمية، وبمنع تحول الموانئ والممرات البحرية إلى أدوات ضغط في الصراعات السياسية.
ومن هنا، فإن أي تسوية للأزمة اليمنية تحتاج إلى معالجة المخاوف الأمنية المرتبطة بالملاحة، إلى جانب القضايا السياسية الداخلية، بدلًا من الاكتفاء بوقف مؤقت للعمليات العسكرية.
التحديات أمام أي تدخل عسكري محتمل
يواجه أي تحرك عسكري في اليمن مجموعة من التحديات، أبرزها صعوبة الفصل بين الأهداف الدفاعية والنتائج الميدانية التي قد تترتب على توسيع العمليات. فحتى إذا اقتصر الهدف المعلن على حماية دولة مجاورة أو تأمين الممرات البحرية، فإن استمرار الاشتباكات قد يؤدي إلى ردود فعل متبادلة تفتح جبهات جديدة.
كذلك، لا تضمن الضربات العسكرية وحدها الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة، خصوصًا في ظل تعقيد المشهد اليمني وتعدد الأطراف المحلية التي تختلف مصالحها ومواقفها بشأن شكل الدولة ومستقبل السلطة وتوزيع الموارد.
ومن التحديات أيضًا حماية المدنيين، وتجنب تدهور الأوضاع الإنسانية، ومنع انتقال المواجهة إلى مناطق جديدة. وتحتاج أي استراتيجية ناجحة إلى أهداف محددة، وآليات واضحة لتجنب التصعيد، ومسار سياسي يمكن أن يشارك فيه اليمنيون بمختلف مكوناتهم.
وفي الحالة المصرية، تبرز أهمية تقدير المصالح الوطنية بصورة دقيقة، بما يشمل أمن البحر الأحمر، والتزامات القاهرة العربية، وتكاليف الانخراط العسكري، واحتمالات تأثير الصراع على الاستقرار الإقليمي.
فرص الحل السياسي وشروط نجاحه
يتطلب إنهاء الأزمة اليمنية اتفاقًا أوسع من مجرد وقف إطلاق النار. فالتسوية تحتاج إلى ضمانات لوقف الهجمات عبر الحدود، وترتيبات بشأن الموانئ والممرات البحرية، وتفاهمات حول إدارة المؤسسات، وإجراءات تمنع تجدد الصراع بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق.
كما أن نجاح الوساطة يتوقف على استعداد الأطراف للتنازل عن بعض مطالبها، وعلى وجود آليات مراقبة يمكنها رصد الانتهاكات والتعامل معها دون انهيار الاتفاق بأكمله.
وتستطيع الدول العربية، بالتعاون مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين، دعم مسار يجمع بين التهدئة الأمنية والحوار السياسي والمساعدات الإنسانية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب عدم التعامل مع اليمن باعتباره مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بل دولة تحتاج إلى استعادة مؤسساتها وتخفيف معاناة سكانها.
ما الذي تعنيه التطورات بالنسبة إلى مصر؟
تضع التطورات الحالية القاهرة أمام اختبار سياسي واستراتيجي يتطلب الموازنة بين حماية المصالح المصرية ودعم أمن الدول العربية. فاستقرار اليمن ليس مسألة بعيدة عن الأمن القومي المصري، خصوصًا في ظل الترابط الجغرافي والاقتصادي بين الخليج والبحر الأحمر وقناة السويس.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المناقشات السياسية والمقترحات المطروحة من جهة، والقرارات النهائية التي يتم اعتمادها وتنفيذها من جهة أخرى. فالمواقف المعلنة حتى 23 أكتوبر لا تعني أن جميع تفاصيل أي تحرك عسكري محتمل قد حُسمت، كما أن الدعوة إلى الحل السياسي لا تعني غياب الخيارات الأمنية عن حسابات الدول المعنية.
وفي المحصلة، يظل نجاح الجهود المصرية مرهونًا بقدرتها على دعم تسوية تقلل المخاطر على الملاحة، وتحمي الدول المجاورة، وتفتح الباب أمام حل يمني مستدام. أما استمرار المواجهة دون أفق سياسي، فيهدد بتحويل الأزمة إلى عامل اضطراب طويل الأمد في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.



