
بعد عقود من الاستثمار في بناء شبكة واسعة من القواعد الصاروخية تحت الأرض، المعروفة باسم “مدن الصواريخ”، تواجه إيران اختباراً قاسياً مع تصاعد الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف البنية التشغيلية لهذه المنشآت الحساسة وفق ما نقلته “وول ستريت جورنال”.
ومع اندلاع المواجهة العسكرية التي شهدتها طهران من خصيمها الأقوى الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) 2026، بدأت الطائرات الحربية والطائرات المسيّرة المسلحة تحلّق بشكل متواصل فوق عشرات القواعد الصاروخية الإيرانية المحفورة في أعماق الأرض.
ضرب صواريخ إيران في مهدها
واتبعت هذه المعدات خطة محكمة كانت تراقب بها القواعد الصاروخية الإيرانية، وعندما تخرج منصات إطلاق الصواريخ المتحركة من الأنفاق أو المخابئ تحت الأرض إلى السطح لإطلاق الصواريخ تقوم الطائرات بضربها فوراً قبل أن تتمكن من إطلاق الصاروخ، وفي الوقت نفسه، نفذت قاذفات ثقيلة ضربات مكثفة على هذه المواقع، في محاولة لدفن الأسلحة والصواريخ داخل أنفاق عميقة تحت الأرض.
وخلال الأيام الأولى من المواجهة، أطلقت إيران صواريخ على إسرائيل وقواعد أمريكية في عدة دول، غير أن وتيرة الإطلاق تراجعت بشكل واضح لاحقاً، وهو ما يعزوه مسؤولون عسكريون إلى تأثير الضربات الأمريكية والإسرائيلية على البنية التشغيلية للمنظومة الصاروخية الإيرانية.
وقال الأميرال براد كوبر، القائد الأعلى للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، إن العمليات العسكرية تركز حالياً على استهداف ما تبقى من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأن القوات الأمريكية تسعى إلى القضاء على القدرة المتبقية لدى إيران على إطلاق الصواريخ، مؤكداً انخفاض عمليات إطلاق الصواريخ الإيرانية بنحو 86% خلال أربعة أيام فقط من بدء الحرب.
وتشير صور أقمار صناعية حديثة إلى تدمير عدد من منصات إطلاق الصواريخ بالقرب من مداخل القواعد الصاروخية تحت الأرض، كما ركزت الضربات على الطرق والمرافق السطحية ومخارج الأنفاق التي تستخدمها إيران لإخراج منصات الإطلاق المتحركة.
وفي هذا السياق اعتبر محللون أن إيران باتت أكثر هشاشة عقب إضعاف البنى التحتية لشبكة “مدن الصواريخ”، إذ إن معرفة مواقع المداخل والطرق المؤدية إلى القواعد تجعل من الممكن تعطيلها حتى من دون تدمير الصواريخ المخزنة داخل الأنفاق.
وقال الباحث سام لاير إن مفهوم “مدن الصواريخ” الإيرانية يعاني خللاً أساسياً، إذ تحولت المنظومات التي صُممت لتكون متحركة وصعبة الاكتشاف إلى قواعد ثابتة يسهل رصدها واستهدافها عبر الأقمار الصناعية اليوم.
استطلاعات أضعفت البنى التحتية
وبحسب ما ذكرته “وول ستريت جورنال” كثفت الولايات المتحدة وإسرائيل عمليات المراقبة الجوية فوق مواقع القواعد الصاروخية وتُستخدم طائرات استطلاع لمراقبة النشاط حول هذه المواقع، ويتم تنفيذ الضربات باستخدام طائرات مقاتلة أو طائرات مسيّرة عند رصد أي تحركات تشير إلى استعداد لإطلاق الصواريخ.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، أشارت تحليلات إلى أن عدداً من القواعد قرب مدينة شيراز جنوب إيران تعرض لضربات متكررة، وأظهرت صور أقمار صناعية منصات إطلاق متحركة خرجت من أحد المواقع تحت الأرض قبل أن يتم تدميرها في وادٍ قريب قبل إطلاق صواريخها.
ورغم الضربات، يعتقد محللون أن جزءاً كبيراً من الترسانة الصاروخية الإيرانية لا يزال مخبأً في قواعد تحت الأرض، مع احتمال احتفاظ طهران ببعض صواريخها الأبعد مدى لمرحلة لاحقة إذا تصاعدت المواجهة بشكل أكبر.
ومع استمرار الضربات الجوية والمراقبة المكثفة للقواعد الصاروخية، يبدو أن شبكة “مدن الصواريخ” الإيرانية دخلت مرحلة اختبار حقيقي قد يحدد مدى فعاليتها في مواجهة المقاتلات الجوية والحربية الأقسى لدى أمريكا وإسرائيل.
