
أثار تدشين تمثال ذهبي ضخم للرئيس الأمريكي دونالد ترامب داخل أحد ملاعب الجولف التابعة له في ولاية فلوريدا موجة واسعة من الجدل في الأوساط الدينية والسياسية الأمريكية، بعدما اعتبر منتقدون أن المشروع يقترب من “تقديس الشخصيات” ويتعارض مع التعاليم المسيحية الرافضة لعبادة الأصنام.
التمثال، الذي يبلغ ارتفاعه نحو 22 قدمًا، كُشف عنه خلال مراسم أقيمت في منتجع ترامب ناشونال دورال ميامي، بحضور عدد من رجال الدين والشخصيات المحافظة المؤيدة لترامب.
وقاد مراسم التدشين القس الإنجيلي الأمريكي جون مارك بيرنز، المعروف بقربه من ترامب وبدوره السابق مستشارًا روحيًا له، حيث وصف التمثال بأنه “رمز للصمود والحرية والوطنية والشجاعة والإصرار على مواصلة النضال من أجل أمريكا”، وفقًا لمجلة “نيوزويك” الأمريكية.
عبادة أصنام
جاءت مراسم الكشف عن التمثال وسط انتقادات من رجال دين ومعلقين مسيحيين رأوا أن إقامة تمثال ذهبي لترامب يحمل دلالات رمزية تتعارض مع النصوص الدينية التي تحذّر من عبادة “الآلهة الزائفة”.
ورد القس مارك بيرنز على تلك الانتقادات مؤكدًا أن المشروع لا يمثل أي شكل من أشكال العبادة، قائلًا: “نحن نعبد السيد المسيح وحده، ولا أحد سواه”.
وأضاف أن: “التمثال أُنشئ تكريمًا لرجل يعتقد ملايين الأمريكيين أنه قدّم إنجازات استثنائية جعلت البلاد أكثر قوة”، مشددًا على أن الهدف منه هو التعبير عن “الامتنان والوطنية” وليس التقديس الديني.
كما رفض “بيرنز” المقارنات التي عقدها بعض المنتقدين بين التمثال وقصة “العجل الذهبي” الواردة في سفر الخروج بالكتاب المقدس، التي تُعد رمزًا دينيًا للتحذير من عبادة الأصنام والانحراف الروحي.
خلفيات المشروع
بحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن فكرة التمثال تعود إلى ما قبل تنصيب ترامب لولاية رئاسية جديدة في يناير الماضي.
ونفّذ العمل النحات الأمريكي آلان كوتريل، بينما جرى تمويل المشروع من قِبل مجموعة من رجال الأعمال المؤيدين لترامب والعاملين في قطاع العملات المشفرة.
وأوضح “بيرنز” أن نحو “ستة آلاف وطني أمريكي” ساهموا في تمويل المشروع، الذي حمل اسم “دون كولوسوس”.
كانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أشارت إلى أن التمثال ظل بعيدًا عن الأنظار لفترة بسبب خلافات مالية مرتبطة بعملية التمويل، قبل أن تُسوى الأزمة أخيرًا ويتم تركيبه رسميًا داخل ملعب الجولف.
من جانبه، احتفى ترامب بالتمثال عبر منصته “تروث سوشيال”، واصفًا إياه بأنه “النسخة الحقيقية”، ومؤكدًا أنه أُقيم بواسطة “وطنيين أمريكيين عظماء”.
شخصنة السياسة
أعاد التمثال إلى الواجهة الانتقادات المتزايدة لما يعتبره خصوم ترامب نزعة متنامية نحو صناعة هالة شخصية حول الرئيس الأمريكي، في ظل انتشار منتجات تحمل اسمه، من بينها نسخ خاصة من الإنجيل وأحذية ومنتجات دعائية، إضافة إلى تغييرات رمزية طالت مؤسسات ثقافية أمريكية.
وفي هذا السياق، انتقد القس بنيامين كريمر المشروع، معتبرًا أنه يمثل تجاوزًا للتعاليم الإنجيلية المتعلقة برفض عبادة الأشخاص والرموز.
ورغم ذلك، لا يزال ترامب يحظى بدعم قوي داخل الأوساط الإنجيلية المحافظة في الولايات المتحدة. وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن نسبة التأييد له بين الإنجيليين البيض لا تزال مرتفعة، رغم تراجع طفيف خلال الأشهر الأخيرة.
رمزية تتجاوز التمثال
يرى مراقبون أن الجدل الدائر حول “دون كولوسوس” يتجاوز مجرد إقامة تمثال ذهبي، ليعكس حالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأمريكي بين مؤيدي ترامب ومعارضيه، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة.
كما يكشف الجدل عن التداخل المتزايد بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة، والدور المؤثر الذي لا تزال تلعبه التيارات الإنجيلية المحافظة في المشهد السياسي الأمريكي، لا سيما في دعم ترامب وخطابه الشعبوي.
