في مطلع القرن التاسع عشر، وبينما كانت القارة العجوز تلملم جراح حروبها النابليونية، ولدت في أروقة واشنطن رؤية سياسية ستقلب موازين القوى العالمية لقرون قادمة. كان خطاب الرئيس جيمس مونرو لحالة الاتحاد عام 1823 أمام الكونغرس إعلاناً صريحاً عن بلوغ الولايات المتحدة سن الرشد السياسي، وتحدياً مباشراً للقوى الاستعمارية التي كانت تنظر لشواطئ الأميركتين كأراضٍ مشاعة للتوسع.

بدأت الحكاية عندما استشعر القادة الأميركيون خطر التحالفات الأوروبية التي كانت تسعى لاستعادة السيطرة على المستعمرات الإسبانية التي نالت استقلالها لتوها في أميركا اللاتينية. في تلك اللحظة الحرجة، وبإيعاز من وزير خارجيته المحنك جون كوينسي آدامز، قرر مونرو أن يخط فاصلاً جغرافياً وسياسياً بين عالمين. كانت الرسالة واضحة وجريئة، حيث أكدت أن نصف الكرة الغربي مغلق أمام أي محاولات استعمارية جديدة، وأن أي تدخل من الممالك الأوروبية في شؤون الدول المستقلة في الأميركتين سيُفسر على أنه عمل عدائي يهدد سلامة الولايات المتحدة.

رسم كاريكاتير ساخر يجسد حماية مبدأ مونرو لأميركا اللاتينية من مطامع الأوروبيين
رسم كاريكاتير ساخر يجسد حماية مبدأ مونرو لأميركا اللاتينية من مطامع الأوروبيين

مع مرور العقود، شهد هذا المبدأ تحولاً جذرياً، فانتقل من كونه درعاً دفاعياً يحمي الجيران الضعفاء من أطماع أوروبا، ليصبح أداة للهيمنة وبسط النفوذ. أضاف الرئيس ثيودور روزفلت عام 1904 ما يُعرف بـ “النتيجة الحتمية” (Roosevelt Corollary).

وبموجب هذا التعديل، منحت واشنطن لنفسها الحق في ممارسة “قوة شرطة دولية” في أميركا اللاتينية للتعامل مع “سوء السلوك المزمن”، مما شرع التدخلات العسكرية المتكررة. أعلنت واشنطن حينها أنها لن تكتفي بمنع التدخل الخارجي، وإنما منحت نفسها الحق في التدخل المباشر في شؤون دول الجوار لضمان الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وبذلك، تحول المبدأ من “لافتة تمنع الدخول” ليصير “تفويضاً بالوصاية”، وهو ما شرع الباب لسلسلة طويلة من التدخلات العسكرية والسياسية التي شكلت ملامح العلاقات الأميركية اللاتينية المضطربة.

تتجلى سطوة هذا المبدأ في العصر الحديث من خلال المشهد الفنزويلي المعاصر، وتحديداً في طريقة تعامل واشنطن مع نظام نيكولاس مادورو. حيث يجد العالم نفسه أمام فصل جديد من رواية قديمة، إذ تجاوزت العقيدة البوارج الحربية بعد أن كانت هي الأداة الوحيدة لفرض النفوذ، وحلّت بجانبها مذكرات الاعتقال الدولية والعقوبات الاقتصادية الخانقة.

وحين وجهت وزارة العدل الأميركية اتهامات لمادورو ودائرته المقربة في قضايا تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات، كان الأمر أكبر من مجرد إجراء قانوني جنائي، ومثّل استدعاءً صارما لروح المبدأ الذي أعلنه مونرو.

وبالنسبة لصناع القرار في واشنطن، كان مادورو خصم أيديولوجي في كاراكاس، ويُنظر إليه كـ “ثغرة” سمحت لقوى خارجية مثل روسيا والصين بالتسلل إلى النسيج الأمني والسياسي للقارة الأميركية. وأعادت ملاحقة رأس النظام الفنزويلي قضائياً ورصد مكافآت مالية لاعتقاله إلى الأذهان تلك الحقبة التي اعتبرت فيها واشنطن نفسها شرطي المنطقة.

وهناك إدراك دولي أن الضغوط الأميركية للإطاحة بمادورو كانت تهدف بالأساس إلى سد الفجوة الجيوسياسية التي تستغلها موسكو أو بكين لإنشاء موطئ قدم دائم على مقربة من الحدود الأميركية.

لكن يظل مبدأ مونرو هو المحرك الخفي خلف الكواليس، فكلما زاد تقارب كاراكاس مع خصوم واشنطن، ارتفعت نبرة الملاحقات القضائية لتنتهي باعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته.

ويرى مراقبون أنه بهذه العملية الكبيرة لاتزال الولايات المتحدة ترى في القارتين الأميركيتين ملكية خاصة لا تقبل القسمة، وتؤكد أن التحذير الذي أُطلق قبل قرنين لا يزال حياً، ومفاده أن هذا المجال يظل حصرياً لأصحابه، ولا مكان للغرباء في هذا البيت الكبير.