
يقول التاريخ إن أنظمة الضمان الاجتماعي القومية والشاملة والمستدامة على مدى دورة الحياة تلعب دوراً رئيسياً في تمكين الدول من التصدي للفقر واللامساواة، وتعزيز التنمية البشرية، وبناء العقد الاجتماعي، وخلق الترابط الاجتماعي، وتحفيز النمو الاقتصادي. في الواقع، قامت أكثر اقتصادات العالم نجاحًا ببناء أنظمة شاملة للضمان الاجتماعي على مدى عقود عديدة، تحمي المواطنين في مختلف مراحل الحياة، من الطفولة إلى الشيخوخة. ومع ذلك، فإن مصر بعيدة كل البعد عن إنشاء نظام ضمان اجتماعي مشابه، بسبب اعتمادها على نظام أشبه بإنجلترا في القرن التاسع عشر.
مستويات الاستثمار في الضمان الاجتماعي حول العالم
متوسط مستوى الاستثمار في الضمان الاجتماعي في البلدان مرتفعة الدخل هو 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي (انظر الشكل 1)، مع إعطاء الأولوية لمعاشات كبار السن ودعم ذوي الإعاقة والأطفال، فضلاً عن تقديم دعم كبير للعاطلين عن العمل والأرامل. وفي معظم البلدان ذات الدخل المرتفع، توفر البرامج الأساسية للضمان الاجتماعي تغطية شاملة بالإضافة إلى برامج صغيرة مكملة تستهدف فقط من يعانون من الفقر. وعادةً ما يتم تمويلها من خلال مزيج من اشتراكات العمال وأصحاب العمل في التأمينات الاجتماعية وكذلك الضرائب العامة.
الشكل 1
مستويات الاستثمار في الضمان الاجتماعي في البلدان مرتفعة الدخل
وأقرت أعداد متزايدة من البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض بضرورة الاستثمار في الضمان الاجتماعي لتحقيق نمو اقتصادي مستدام ومجتمعات متماسكة. يوضح الشكل رقم (2) مستوى استثمار بعض هذه البلدان في البرامج الممولة من الضرائب. فبلد فقير مثل نيبال قادر على استثمار حوالي 1.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي في برامج دعم لكبار السن وذوي الإعاقة والأطفال والأرامل، في حين أن بعض البلدان في أفريقيا تستثمر ما بين 1.6٪ و4.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي (من بينهم ليسوتو، وموريشيوس، وناميبيا، وجنوب أفريقيا). في المقابل، تستثمر مصر حوالي 0.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي في المدفوعات النقدية للضمان الاجتماعي القائم على التمويل من الضرائب، على الرغم من أن اقتصادها، من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، أغنى بخمسة أضعاف تقريباً من اقتصاد نيبال.
الشكل 2
مستويات الاستثمار في أنظمة الضمان الاجتماعي الممولة من الضرائب في مجموعة من البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض
تحوّل مصر من الدعم الشامل إلى مساعدات الفقراء
حتى وقت قريب، كانت مصر تقدم لمواطنيها حماية اجتماعية شاملة تستند في الأساس إلى برامج الدعم. على سبيل المثال، في 2012/2013، بلغت تكلفة دعم الغذاء والوقود 8.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي (Auktor & Loewe, 2019)، ومع ذلك، لم يستفد جميع المواطنين من برنامح الدعم بشكل متساوٍ. فالمستفيدون الرئيسيون من دعم الوقود كانوا من الأثرياء، ولم يصل دعم الطاقة إلا إلى 3% فقط من الخُمس الأكثر فقرًا من السكان. بالإضافة إلى ذلك، قدم نظام التأمينات الاجتماعية معاشات التقاعد وغيرها من المزايا للعاملين في الاقتصاد الرسمي – بتكلفة تبلغ حوالي 3.4٪ من إجمالي الناتج المحلي (Egypt Today ,2018)- إلا أن هؤلاء العاملين ينتمون في معظمهم بالفعل للطبقات الأعلى دخلًا في المجتمع.
تم تخفيض تلك الإعانات بنسب كبيرة في السنوات الأخيرة؛ فارتفعت، على سبيل المثال، أسعار البنزين والسولار بنسبة تتراوح بين 186٪ إلى 387% بين 2010 و 2017، وتم استبدالها بنظام مساعدات الفقراء، أو المساعدات النقدية الموجهة إلى أفقر أفراد المجتمع (Auktor & Loewe, 2019).
قدمت مصر لدعم الفقراء -بناءً على توصية البنك الدولي- برنامجي تكافل وكرامة. وهي أمثلة كلاسيكية لدعم الفقراء تشبه نموذج انجلترا القرن التاسع عشر في نظام الضمان الاجتماعي، وكان يُعرف بـ”قانون الفقراء” وقدّم نموذج القرن التاسع عشر هذا مدفوعات مشروطة للأفراد الأكثر فقرًا – وكان الشرط هو الإقامة والعمل في أسرة عاملة- إلى هؤلاء القادرين على العمل، بينما تلقى كبار السن وذوو الإعاقات مدفوعات غير مشروطة.
في مصر، تتلقى الأُسر المشكلة من أفراد في سن العمل مدفوعات مشروطة من خلال برنامج “تكافل”، وتكون ملزمة بإرسال أطفالها إلى المدرسة، وتواجه عقوبات في حال مخالفة ذلك. بينما تُقدّم المدفوعات النقدية غير المشروطة لكبار السن وذوي الإعاقة في إطار برنامج “كرامة”. وفي عام 2018، بلغت حصة برنامجي تكافل وكرامة 0.24٪ من إجمالي الناتج المحلي، إلا أن 10٪ فقط من الأسر استفادت منهما (Tamam, 2018). بالإضافة إلى ذلك، بلغت تكلفة معاش التضامن الاجتماعي، وهو برنامج آخر لكبار السن وذوي الإعاقة من الفقراء، حوالي 0.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
الفجوات في تغطية الضمان الاجتماعي والوسط المفقود
إن تركيز نظام التأمين الاجتماعي على العاملين في الاقتصاد الرسمي وضعف الدعم المُقدّم للأشد فقرًا يعني وجود فجوات كبيرة في تغطية منظومة الضمان الاجتماعي القومية. على سبيل المثال، فإن 37.5٪ فقط ممن تزيد أعمارهم عن 60 عامًا يحصلون على معاش (ILO, 2017)، وغالبية المصريين المعاقين مستبعدون من مساعدات الإعاقة، وحوالي 10٪ فقط من الأطفال يحصلون على إعانات الطفولة.
الشريحة التي يستبعدها تخطيط نظام الضمان الاجتماعي القومي هم أصحاب الدخول المتوسطة -ما يسمى بـ”الوسط المفقود”- الذين غالباً ما يعملون في الاقتصاد غير الرسمي. وعلى الرغم من دفعهم للضرائب، ولو بصورة غير مباشرة، فهم لا يتلقون حماية اجتماعية في المقابل (ما لم يتم إدراجهم بالخطأ في عمليات إغاثة الفقراء نتيجة لعيوب الاستهداف). ومع هذا، يظل دخلهم منخفضًا؛ يعيش 53٪ من سكان مصر على أقل من 5 دولارات أمريكية من حيث تعادل القوة الشرائية في اليوم، بينما يعيش 90٪ على أقل من 10 دولارات أمريكية تعادل القوة الشرائية في اليوم، وهو ما يُطالب الكثيرون باعتماده كخط الفقر الدولي. وبلا شك، قد يستفيد هؤلاء من إجراءات الحماية الاجتماعية.
كما هو الحال مع برامج إغاثة الفقراء الأخرى في البلدان ذات الدخل المتوسط، يتسم تصميم وتنفيذ برنامجي تكافل وكرامة بانخفاض الجودة، خاصة فيما يتعلق باختيار المستفيدين؛ إذ يتم تحديد المستفيدين باستخدام الاختبار غير المباشر لتقصي الموارد والسجل الاجتماعي، الذي يقوم على تقدير الدخل عن طريق قياس أصول وخصائص الأسرة. ومع ذلك فقد ثبت أن هذا الأسلوب ليس دقيقًا بما يكفي، حيث يبلغ متوسط خطأ الاستبعاد في عملية تحديد أفقر 10٪ من السكان حوالي 70٪ (Kidd & Athias, 2019; Kidd, Gelders & Athias, 2017). في الواقع، أظهرت دراسة حديثة حول برنامج تكافل أن 80٪ من السكان الأكثر فقرًا في مصر لم يتمكنوا من الاندراج في البرنامج (Breisinger et al., 2018). وإلى جانب ذلك، فالاعتماد على الاختبار غير المباشر لتقصي الموارد غالبًا ما يؤدي إلى نشوب صراع اجتماعي، وهو بمثابة صبّ للزيت على النار في مصر (Kidd, Gelders & Athias, 2017).
دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الدعاية لبرامج معونات الفقراء
كان توجه مصر لتطبيق برامج إعانات الفقراء على غرار القرن التاسع عشر بوازع، جزئيًا، من صندوق النقد والبنك الدوليين، فلكليهما سجل حافل في الترويج لبرامج مماثلة في جميع أنحاء العالم (Kidd, 2018). على سبيل المثال، أوصى صندوق النقد الدولي (2017) حلفاءه داخل الحكومة المصرية بالاعتماد الأكبر على “برامج المدفوعات النقدية المستهدفة”.
وبرغم أن الدافع الرئيسي لاختيار نظام معونات الفقراء عادة ما يكون تخفيض التكاليف ومن ثمن تخفيض الضرائب على الأثرياء، فإن الحافز الرئيسي للبنك الدولي هو الاستمرار في تقديم قروض مالية كبيرة لمصر، وهو أمر يمثل بطبيعة الحال جوهر النشاط الاقتصادي للبنك. وفي السنوات الأخيرة، تزايد تقديم البنك الدولي قروضًا للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط من أجل تمويل أنشطة الضمان الاجتماعي، مع إعطاء الأولوية لتشجيع دعم الفقراء المشروط أو إلزام المستفيدين بالمشاركة في الأشغال العامة (Kidd, 2018).
نحو بناء نظام ضمان اجتماعي حديث في مصر
كان من الممكن أن تسلك مصر طريقًا مختلفًا وتستخدم الوفورات المالية التي نتجت من تقليل برامج الدعم لبناء نظام ضمان اجتماعي أكثر حداثة. كما هو موضح في الشكل (1)، تعتمد أنظمة الضمان الاجتماعي في البلدان مرتفعة الدخل على التصدي للمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها جميع الأفراد على مدار دورة الحياة من خلال تقديم برامج لجميع المواطنين كحق أساسي من حقوق الإنسان. وتقوم أعداد متزايدة من البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة ببناء أنظمة شاملة مشابهة، عادةً ما تبدأ بتقديم تغطية شاملة للمعاشات التقاعدية لكبار السن، ثم إلحاقها بإعانات الأطفال وبرامج دعم ذوي الإعاقة. وبطبيعة الحال، تكون البرامج الشاملة ذات تكلفة أعلى من برامج معونات الفقراء، إلا أنها تحظى بتأييد أكبر من المواطنين، خاصةً أصحاب الدخول المتوسطة والعالية، لأنهم يحصلون على شيء ما مقابل سدادهم الضرائب.
لم يفت الأوان لتغير مصر اتجاهها الحالي في برامج الحماية الاجتماعية. ولكن السؤال الواجب الإجابة عنه هو: هل تريد الحكومة المصرية مواصلة التركيز على نموذج معونات الفقراء المبني على نظم القرن التاسع عشر أم أنها تريد بناء نظام أكثر حداثة وشمولًا لتوفير الضمان الاجتماعي كحق أساسي لجميع المواطنين (مصحوبًا، بالطبع، ببعض برامج إغاثة الفقراء المحدودة)؟ بعض البرامج التي يمكن لمصر أن تبدأ في تقديمها هي إعانة الطفولة لجميع الأطفال دون سن الخامسة، لضمان حصولهم على فرصة بداية حياة جيدة (مع زيادة تدريجية في سن الاستحقاق بمرور الوقت)، ودعم الإعاقة لجميع الأطفال والبالغين الذين يعانون من إعاقة شديدة حتى سن 64 سنة، ومعاش لكل شخص يبلغ من العمر 65 عامًا فما فوق. هذه البرامج ستغطي نسبة كبيرة من السكان، بما في ذلك الأسر الفقيرة، والشباب (خاصة من لديهم أطفال)، والأرامل، والعاطلين عن العمل. الأهم من ذلك، أنها ستكون بداية نظام شامل من شأنه أن يوفر في نهاية المطاف دخلًا آمنًا لجميع السكان.
في حال بلغت قيمة مستحقات الدعم ما يُعادل القيمة المعقولة عالميًا فسيبلغ إجمالي تكلفة هذا البرنامج 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي. فإذا استُبدِل برنامجا تكافل وكرامة ومعاشات الضمان الاجتماعي، التي تكلف حاليًا 0.5٪ من إجمالي الناتج المحلي، ببرامج الدعم تلك، ستكون هناك حاجة إلى 1.3٪ إضافية من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما كان يمكن توفيره بسهولة من خلال المدخرات الناتجة من تخفيض الدعم.
وكحل بديل، يمكن تطبيق النظام تدريجيًا على مدار عدة سنوات، بتمويل من جزء صغير من الضرائب الإضافية التي ستنتج عن النمو الاقتصادي. ومع مرور الوقت، يمكن التوسع في الفئة المستفيدة، خاصةً رفع سن الأطفال مستحقي الدعم وتقديم إعانات البطالة.
ما الطريق الذي ستختاره مصر إذاً؟ إن ما يقرب من جميع الدول ذات الاقتصاد الناجح والمستدام استثمرت بشكل كبير في أنظمة الضمان الاجتماعي القومية والشاملة على مدى دورة الحياة. في الواقع، كان السبب الرئيسي لزيادة التماسك الاجتماعي في أوروبا في أعقاب الحرب العالمية الثانية هو نمو الاستثمار في الحماية الاجتماعية ورفض برامج الدعم القائمة على إغاثة الفقراء فقط كأساس للنظم القومية. فهل ستتخذ مصر قرارًا بالاستثمار في شكل من أشكال الضمان الاجتماعي الشامل للمساعدة في بناء مجتمع أكثر عدالة وتماسكًا؟ أم أنها ستستمر في اتباع نموذج للضمان الاجتماعي يعود للقرن التاسع عشر وسيكون محكومًا عليه في نهاية الأمر بالفشل؟

Really enjoyed this blog post, how can I make is so that I receive an update sent in an email whenever you write a fresh update?
we hope to always be at yours best and provide more useful information to you