
لعنة “داونينج ستريت” مستمرة.. اللحظات الأخيرة قبل استقالة ستارمر
تشهد الساحة السياسية البريطانية مرحلة جديدة بعد إعلان كير ستارمر تنحيه عن منصبه رئيسًا للوزراء وزعيمًا لحزب العمال، عقب أيام من ضغوط متصاعدة من نواب الحزب ووزراء في الحكومة، وذلك بعد أقل من عامين على فوزه التاريخي في الانتخابات، فاتحًا الباب أمام سباق جديد على قيادة الحزب والحكومة.
قرار الرحيل
أعلن كير ستارمر استقالته من منصبه بعد تعرضه لضغوط مكثفة من نواب حزب العمال، بمن فيهم وزراء في الحكومة، وقال، في كلمة ألقاها أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت، إن “السؤال الذي بات يطرحه الحزب هو ما إذا كان لا يزال في أفضل موقع لقيادة العمال في الانتخابات العامة المقبلة”، مؤكدًا أنه استمع إلى موقف الكتلة البرلمانية وتقبله برحابة صدر.
وأضاف أن “جميع قراراته كانت تهدف إلى وضع مصلحة البلاد في المقام الأول”، معلنًا استقالته من زعامة الحزب، وجاء ذلك بعدما كان قد أكد، يوم الجمعة، عزمه خوض أي منافسة على القيادة قبل أن تُغيّر مشاوراته مع الوزراء وعائلته موقفه خلال عطلة نهاية الأسبوع.
ويعني قرار كير ستارمر بالتنحي أن المملكة المتحدة ستشهد قريبًا رئيس وزرائها السابع منذ عام 2016.
اللحظات الأخيرة
وذكرت صحيفة “ذا جارديان” البريطانية أن أكثر من ستة وزراء أبلغوا ستارمر سرًا بأن وقته في القيادة قد انتهى، فيما بدأت دائرته المقربة إعداد مسودات خطاب الاستقالة، منذ يوم السبت، كما طلب من اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال وضع جدول زمني لانتخاب القيادة الجديدة.
ووفقًا للخطة المعلنة، تبدأ الترشيحات في التاسع من يوليو، وتنتهي قبل العطلة الصيفية بأسبوع واحد، وأكد ستارمر أنه سيبقى رئيسًا للوزراء حتى عودة البرلمان في سبتمبر، بما يتيح له تمثيل المملكة المتحدة في قمة حلف شمال الأطلسي مطلع يوليو.
وأشار إلى أنه سيقدم دعمًا كاملًا لخليفته؛ لضمان انتقال منظم للسلطة، مؤكدًا أن من سيخلفه سيرث بريطانيا أقوى وأكثر عدلًا وأكثر استعدادًا للتحديات المقبلة، وقادرة على منح حزب العمال فرصة الفوز بولاية ثانية.
صعود بورنهام
أدى أندي بورنهام اليمين نائبًا في البرلمان بعد فوزه في الانتخابات الفرعية بدائرة ماكرفيلد، وسط توقعات بتجاوزه بسهولة عتبة الترشيحات المطلوبة لخوض سباق القيادة، مع تأكيد حلفائه امتلاكه دعمًا يتجاوز 200 نائب.
وفي المقابل، أعلن وزير الصحة السابق ويس ستريتينج عزمه الترشح أيضًا، رغم عدم وضوح حجم التأييد الذي يحظى به داخل الحزب. كما طُرحت احتمالات لعقد تفاهمات سياسية بينه وبين بورنهام تتعلق بمناصب وزارية مستقبلية.
ويواجه حزب العمال انقسامًا بشأن مستقبل القيادة، إذ يرى بعض النواب ضرورة إخضاع بورنهام لمنافسة كاملة، بينما يفضل آخرون انتقالًا سريعًا للسلطة لتجنب مزيد من التراجع في شعبية الحزب.
لحظة مؤثرة
في خطابه الوداعي، بدا ستارمر متأثرًا وهو يتحدث عن المقربين منه الذين رافقوه خلال سنوات قيادته للحزب، كما خصّ بالذكر أفراد أسرته الذين دعموا مسيرته السياسية خلال السنوات الماضية.
وقال إنه بعد مغادرة أكبر وظيفة في البلاد، سيتفرغ بشكل أكبر لأهم مسؤولياته الشخصية، وهي أن يكون زوجًا أفضل لزوجته فيكتوريا، وأبًا أفضل لأطفاله الذين وصفهم بأنهم مصدر فخره وسعادته.
وجاءت الاستقالة بعد فترة طويلة من الضغوط السياسية التي بلغت ذروتها في فبراير، عندما طالبه أنس ساروار، زعيم حزب العمال في إسكتلندا، بالتنحي، قبل أن تحشد الحكومة دعمها له في ذلك الوقت.
تراجع الدعم
رغم تحسن موقعه نسبيًا، خلال الأشهر الماضية؛ نتيجة تعامله مع أزمة الشرق الأوسط ورفضه الانخراط في الحرب مع إيران، استجابةً لمطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن تلك المكاسب لم تصمد طويلًا أمام الأزمات الداخلية.
وشكّلت المعلومات، التي كشفتها صحيفة “ذا جارديان”، في أبريل، بشأن تعيين بيتر ماندلسون سفيرًا للمملكة المتحدة في واشنطن، رغم فشله في التدقيق الأمني، محطة جديدة في سلسلة من الانتقادات التي واجهتها قيادة ستارمر.
كما تعرض لانتقادات بسبب قرارات تتعلق بمدفوعات وقود الشتاء والرعاية الاجتماعية، وهي ملفات أسهمت في تراجع شعبية الحزب، واستياء عدد متزايد من نواب العمال الذين اعتبروا أداءه السياسي والتواصلي ضعيفًا.
نهاية المسار
أظهرت الانتخابات المحلية في مايو، حجم التراجع في شعبية ستارمر بين الناخبين، حيث صُدِم عدد من النواب بحجم الرفض الشعبي الذي واجهوه خلال حملاتهم الانتخابية، ما زاد من الضغوط المطالبة برحيله.
وتعززت هذه الضغوط بعد استقالة ويس ستريتينج من الحكومة، ثم عودة بورنهام إلى البرلمان، إضافة إلى فقدان وزير الدفاع جون هيلي على خلفية خطط الإنفاق العسكري، وهو ما عزز الانطباع بأن قيادة ستارمر أصبحت هشة.
ويمثل خروجه نهاية مسار سياسي شهد صعوده إلى رئاسة الوزراء بوصفه رابع زعيم لحزب العمال يحقق الفوز في الانتخابات العامة، بعدما قاد الحزب عام 2024 إلى أكبر مكاسب برلمانية يحققها منذ الانتصار الكاسح الذي حققه توني بلير عام 1997.
