«لسنا للبيع».. الأمريكيون يصوتون ضد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ويعرقلون مشروعات بمليارات الدولارات
وافق ناخبون في عشرات المدن الأمريكية على قيود وحظر مراكز البيانات خلال انتخابات نوفمبر 2026، وسط مخاوف من استهلاك الكهرباء والمياه وتأثير المشروعات على المجتمعات المحلية.
أظهرت نتائج التصويت المحلي المصاحب لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر 2026 تصاعدًا لافتًا في المعارضة الشعبية لمشروعات مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بعدما وافق ناخبون في عشرات المدن على إجراءات تقيد إنشاء هذه المنشآت أو تمنع إقامة مشروعات كبيرة منها، في تطور يضع شركات التكنولوجيا الكبرى أمام تحديات جديدة تتجاوز التمويل والتراخيص وتوافر الأراضي.
وتعكس هذه التحركات اتساع الفجوة بين التوسع السريع لشركات التكنولوجيا في بناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبين مخاوف السكان الذين يرون أن المشروعات الضخمة قد تستهلك موارد محلية مهمة، دون أن توفر بالضرورة عددًا كبيرًا من الوظائف الدائمة أو عائدًا مباشرًا يتناسب مع حجم تأثيرها على المدن والبلدات.
تصويت في أوهايو يهدد مشروعًا لشركة ميتا
كانت مدينة بيكوا في ولاية أوهايو من أبرز النماذج التي كشفت حجم الرفض الشعبي، بعدما وافق نحو ثلثي الناخبين المشاركين على إجراء يمنع إنشاء مراكز بيانات تتجاوز قدرتها 25 ميجاوات.
ويمثل القرار تهديدًا لمشروع مركز بيانات تابع لشركة «ميتا» تتجاوز قيمته مليار دولار، رغم أن المشروع كان قد حصل بالفعل على موافقات سابقة، وهو ما يفتح الباب أمام اختبار قانوني وإداري بشأن تأثير نتيجة الاستفتاء المحلي على التراخيص والقرارات التي اتخذتها الجهات المختصة.
وقادت المزارعة أليشا لانج حملة محلية تحت اسم «أنقذوا بيكوا»، ركزت على رفض إقامة منشآت ضخمة في البلدة، معتبرة أن السكان لا يريدون التضحية بطبيعة منطقتهم ومواردها من أجل مشروع لا يضمن توفير عدد كبير من الوظائف بعد انتهاء مرحلة البناء.
وتوضح نتيجة التصويت أن الاعتراض لم يكن مجرد موقف فردي أو حملة محدودة، بل تحول إلى اختيار انتخابي واضح داخل المجتمع المحلي.
أكثر من 30 إجراءً محليًا لتقييد المشروعات
بحسب بيانات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية عن شركة «ريدبود كونسلتنج»، أقرت أكثر من ثلاثة عشرات من الإجراءات المحلية خلال انتخابات الثلاثاء، بهدف تشديد القيود على إنشاء مراكز البيانات أو فرض شروط إضافية على إقامتها.
وتضاف هذه الإجراءات إلى قيود سبق أن فرضتها مئات السلطات المحلية في الولايات المتحدة، إذ أشارت تقديرات شركة «إلكتريك تشويس» إلى وجود قرابة 600 جهة قضائية أو محلية لديها أشكال مختلفة من القيود المتعلقة بهذه المنشآت.
ولا تعني هذه الأرقام وجود حظر شامل على مراكز البيانات في الولايات المتحدة، بل تعكس تزايد عدد المناطق التي تتجه إلى تنظيم المشروعات أو فرض مراجعات أكثر صرامة قبل الموافقة عليها.
وتختلف طبيعة القيود من مكان إلى آخر؛ فبعضها يمنع إنشاء منشآت تتجاوز حجمًا معينًا، وبعضها يفرض استفتاءً محليًا أو موافقة إضافية من السكان، بينما تركز إجراءات أخرى على الشفافية والتأثير البيئي واستهلاك الموارد.
لماذا يعارض السكان مراكز البيانات؟
ترتبط الاعتراضات بعدة مخاوف، في مقدمتها استهلاك الكهرباء والمياه، والضوضاء الناتجة عن تشغيل المعدات وأنظمة التبريد، والضغط على شبكات البنية التحتية، فضلًا عن حجم الأراضي التي تحتاج إليها المنشآت الضخمة.
وتتطلب مراكز البيانات كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل الخوادم وأجهزة التخزين والشبكات، كما تحتاج بعض أنظمة التبريد إلى موارد مائية، بحسب التصميم والتكنولوجيا المستخدمة وظروف الموقع.
وتخشى المجتمعات المحلية من أن يؤدي الطلب المتزايد على الكهرباء إلى الضغط على الشبكات أو دفع تكاليف تطويرها، وهو ما قد ينعكس على فواتير السكان إذا لم تكن هناك ترتيبات واضحة لتوزيع الأعباء المالية.
كما يثير استخدام المياه قلقًا خاصًا في المناطق التي تواجه ضغوطًا مائية أو مواسم جفاف، إذ يرى السكان أن تخصيص موارد محلية لمشروعات تجارية ضخمة يجب أن يخضع لتقييم دقيق يوضح حجم الاستهلاك والتأثير على الاحتياجات الأخرى.
الوظائف والعائد الاقتصادي موضع خلاف
تدافع شركات التكنولوجيا عن مشروعاتها باعتبارها استثمارات كبيرة توفر فرص عمل خلال مرحلة الإنشاء، وتزيد الإيرادات الضريبية، وتدعم البنية التحتية الرقمية والقدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي.
لكن المعارضين يشيرون إلى أن عدد الوظائف الدائمة بعد اكتمال البناء قد يكون محدودًا مقارنة بحجم الاستثمار ومساحة المنشأة واستهلاكها للموارد.
وفي مدينة جانسفيل بولاية ويسكونسن، أثارت خطة لبناء مركز بيانات باستثمارات معلنة تصل إلى 8 مليارات دولار جدلًا واسعًا، بعدما رفض مجلس المدينة المشروع في يونيو الماضي، ثم أقر وقفًا مؤقتًا لمدة عام، قبل أن يدعم الناخبون قيودًا جديدة خلال تصويت نوفمبر.
وأصبح إنشاء أي مشروع كبير على موقع مصنع سابق لشركة جنرال موتورز متوقفًا على موافقة الناخبين عبر استفتاء محلي، وهو ما يمنح السكان دورًا مباشرًا في تحديد مستقبل الأرض.
هل تتوقف طفرة الذكاء الاصطناعي بسبب اعتراضات السكان؟
لا تعني هذه النتائج أن التوسع في الذكاء الاصطناعي سيتوقف، لكنها تشير إلى أن بناء مراكز البيانات قد يواجه مرحلة جديدة من التفاوض مع المجتمعات المحلية.
وتحتاج الشركات إلى إثبات أن مشروعاتها تحقق منافع اقتصادية حقيقية للمدن التي تستضيفها، وأنها لن تنقل تكلفة التوسع إلى السكان عبر ارتفاع فواتير الكهرباء أو الضغط على المياه والخدمات.
كما قد تضطر الشركات إلى تقديم خطط أكثر وضوحًا بشأن استهلاك الطاقة، ومصادر المياه، واستخدام أنظمة تبريد أكثر كفاءة، ومقدار الضرائب المتوقع دفعها، وعدد الوظائف الدائمة التي ستوفرها المنشآت.
وقد تتجه بعض الشركات إلى اختيار مواقع بعيدة عن المناطق السكنية أو قريبة من مصادر طاقة مستقرة، بينما قد تعتمد مشروعات أخرى على اتفاقات مباشرة مع شركات الكهرباء لتوفير احتياجاتها دون تحميل الشبكات المحلية أعباء غير محسوبة.
الشركات الكبرى أمام قواعد محلية أكثر صرامة
لا تقتصر الاستثمارات في هذا القطاع على «ميتا»، إذ تضخ شركات جوجل ومايكروسوفت وأمازون مليارات الدولارات في بناء مراكز بيانات جديدة لمواكبة الطلب المتزايد على الخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ويعني اتساع الرفض الشعبي أن الشركات ستواجه صعوبة أكبر في الحصول على موافقات محلية سريعة، حتى عندما تكون لديها القدرة المالية والتكنولوجية على تنفيذ المشروعات.
وقد تتحول الشفافية إلى شرط أساسي لنجاح المشروعات الجديدة، بحيث لا تكتفي الشركات بعرض قيمة الاستثمار أو الوعود العامة بتوفير الوظائف، بل تقدم بيانات قابلة للفحص بشأن استهلاك الموارد والتأثيرات البيئية والمالية.
رسالة انتخابية تتجاوز الانقسام الحزبي
أحد الجوانب اللافتة في التحركات الأمريكية هو أن الاعتراض على مراكز البيانات لم يقتصر على أنصار حزب سياسي بعينه، بل شهد تعاونًا بين ناشطين ومواطنين من اتجاهات سياسية مختلفة.
وفي مدينة أوتاوا القريبة من كانساس سيتي، دعم السكان إجراءات لمنع إنشاء مراكز بيانات كبيرة، وشارك ناشطون من خلفيات حزبية متباينة في الضغط من أجل طرح القضية للتصويت.
ويعكس ذلك أن الخلاف لا يدور فقط حول الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا، بل حول حق المجتمعات المحلية في المشاركة في القرارات التي تؤثر في مواردها ومستقبلها العمراني.
وبذلك قد تصبح نتائج انتخابات نوفمبر نقطة تحول في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إذ باتت الشركات مطالبة بإقناع السكان إلى جانب المستثمرين والجهات الحكومية.



