
يعمل كل من إندونيسيا وماليزيا على تطوير إطار أمني متكامل لحماية مضيق ملقة، الذي يعد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، وذلك بسبب تصاعد التحديات الأمنية المتعلقة بالتهريب والقرصنة والأنشطة البحرية غير المشروعة، بالإضافة إلى تصاعد تهديدات “المنطقة الرمادية” التي تزيد من تعقيد الوضع الأمني في المضيق.
يرتكز هذا التوجه على تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري، إلى جانب تطوير آليات تنسيق عملياتية وتنظيمية تسمح بإدارة أمن المضيق بشكل أكثر فعالية، حيث يمثل المضيق شريانًا حيويًا لتدفقات الطاقة والتجارة بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
حصلت المبادرة الثنائية على دعم متزايد خلال اجتماعات عقدت في كوالالمبور في أبريل الماضي بين دينيه هندراتا وزولهلمي اثنين، حيث بحث الطرفان سبل تعزيز الرقابة على السفن العابرة للمضيق وتطوير التنسيق المشترك لمنع أي اضطرابات قد تؤثر على أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، وفقًا لما نشرته صحيفة “أوراسيا ريفيو”.
أكد المسؤولان على أهمية تعزيز قنوات الاتصال المباشر بين القوات البحرية لتفادي سوء الفهم أثناء عمليات إنفاذ القانون في المياه المشتركة، خاصة مع تزايد العمليات الأمنية العابرة للحدود.
يرى خبراء في الأمن البحري أن نجاح هذه الجهود يتطلب توحيد قواعد الاشتباك والإجراءات التنفيذية بين البلدين، مما يسمح بملاحقة المجرمين البحريين عبر الحدود البحرية دون استغلال الفجوات القانونية أو الاختلافات التنظيمية.
تأتي هذه التحركات في ظل تصاعد المخاطر البحرية في المنطقة، حيث أظهرت بيانات مركز تبادل المعلومات التابع لاتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة والسطو المسلح في آسيا تسجيل أكثر من 100 حادثة سطو مسلح في البحر داخل وحول مضيق ملقة خلال عام 2025، وهو أعلى مستوى تشهده المنطقة خلال نحو عشرين عامًا.
لم تقتصر التهديدات على القرصنة التقليدية، إذ يحذر المحللون من زيادة الأنشطة المرتبطة بـ”المنطقة الرمادية”، والتي تتضمن أساطيل الظل وعمليات المسح غير المصرح بها تحت سطح البحر واستخدام وسائل مراقبة يصعب تصنيفها كأنشطة عسكرية أو إجرامية مباشرة.
أشار خبراء إلى أن هذه الأنشطة تستغل التداخل في الحدود البحرية والاختلافات في الأنظمة القانونية ومستويات القدرات الأمنية بين الدول المطلة على المضيق، ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا من التهديدات التقليدية.
تزداد المخاوف من نشاط أساطيل الظل المرتبطة بنقل النفط الخاضع للعقوبات، حيث أظهرت تقارير إعلامية إقليمية عبور ما بين 50 و70 ناقلة نفط مرتبطة بهذه الأساطيل المياه الماليزية شهريًا خلال عام 2025، وكانت تنقل في كثير من الحالات شحنات نفط إيرانية بصورة غير قانونية.
يرى خبراء الأمن البحري أن التصدي لهذه التحديات يتطلب الانتقال من الدوريات التقليدية إلى منظومة أمنية تعتمد بشكل أكبر على تبادل البيانات الفوري والمراقبة الذكية واستخدام الأنظمة غير المأهولة.
تشمل الأولويات الجديدة تعزيز مراقبة السفن المشبوهة والطائرات المسيّرة والأنشطة غير الاعتيادية تحت سطح البحر، مع تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل لحظي بين الأجهزة الأمنية في البلدين.
كما أن ارتفاع تكاليف تشغيل السفن الحربية يدفع إلى توسيع الاعتماد على التكنولوجيا وأنظمة المراقبة المشتركة لتعزيز الكفاءة التشغيلية وتقليل النفقات.
يؤكد محللون أن حماية مضيق ملقة لا تقتصر على مسؤولية إندونيسيا وماليزيا فقط، بل تتطلب تعاونًا أوسع من جميع الأطراف التي تستفيد من هذا الممر البحري الحيوي.
يعتمد التعاون الإندونيسي الماليزي على خبرات إقليمية سابقة، منها التنسيق الأمني الثلاثي بين إندونيسيا وماليزيا والفلبين لحماية بحر سولو، إضافة إلى دوريات مضيق ملقة التي تضم أيضًا سنغافورة وتايلاند.
مع تعميق الشراكة الأمنية بين جاكرتا وكوالالمبور، يتجه مضيق ملقة نحو نموذج أمني أكثر تكاملاً يهدف إلى حماية هذا الشريان الحيوي للتجارة والطاقة من التهديدات التقليدية والناشئة على حد سواء.
