
ارتبط موقف جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن من التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران بموقعها داخل ما يُعرف بمحور المقاومة، وبطبيعة العلاقة العسكرية والسياسية التي تجمعها بطهران. ومع تجدد الضربات الأمريكية على إيران خلال يوليو 2026، انتقلت الجماعة من مرحلة الترقب إلى تبني خطاب أكثر تصعيدًا، عكس استعدادها لربط مسار عملياتها العسكرية في البحر الأحمر وباب المندب بتطورات المواجهة الأمريكية الإيرانية.
وفي هذا السياق، يرصد التقرير أنماط تفاعل الجماعة مع الضربات الأمريكية، وأبرز انعكاساتها الإقليمية والدولية، إضافة إلى محددات العلاقة بين الحوثيين وإيران، وأهم القيود التي تواجه الجماعة في ظل اتساع نطاق الصراع.
أنماط التفاعل الحوثي مع الضربات الأمريكية:
1- التصعيد السياسي: أدانت السلطات التابعة لجماعة الحوثيين في صنعاء الضربات الأمريكية على إيران، ووصفتها بأنها تمثل تصعيدًا خطيرًا في مسار الصراع الإقليمي، معتبرة أنها تؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة. كما لوّح عدد من قيادات الجماعة بإمكانية توسيع نطاق الرد، بما في ذلك التهديد بإغلاق مضيق باب المندب، محذرين من التداعيات المحتملة لذلك على أسواق الطاقة العالمية وحركة التجارة الدولية.
2- التهديد بتوسيع العمليات العسكرية: لم يقتصر الموقف الحوثي على الإدانة السياسية، بل تزامن مع تأكيدات متكررة باستمرار استهداف القطع البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، عند الضرورة، باعتبارها -وفق خطاب الجماعة- جزءًا من الرد على التصعيد الأمريكي.
وفي هذا الإطار، اتهم المندوب الأمريكي لدى مجلس الأمن، مايك والتز، إيران والحوثيين بالمسؤولية عن تهديد أمن الملاحة الدولية، مشيرًا إلى استمرار نقل معدات عسكرية من إيران إلى مناطق سيطرة الجماعة في اليمن.
3- تفعيل استراتيجية “الأصابع على الزناد”: جاءت هذه المواقف امتدادًا للتصريحات التي أعلنها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي منذ بداية المواجهة الأمريكية الإيرانية، عندما أكد جاهزية الجماعة للتدخل عسكريًا إذا اقتضت التطورات ذلك.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن تكثيف العمليات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب يهدف إلى استنزاف القدرات البحرية والجوية الأمريكية، وتشتيت جانب من الضغوط العسكرية المفروضة على إيران، بما يعكس استمرار التنسيق الاستراتيجي بين الطرفين.
4- محاولة استعادة خطوط الإمداد: شهد منتصف يوليو 2026 تصعيدًا جديدًا، بعد تقارير تحدثت عن محاولة إيران إعادة فتح خطوط الإمداد مع الحوثيين عبر جسر جوي لنقل معدات وقطع تُستخدم في تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وفي هذا السياق، استهدفت قوات تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مدرج مطار صنعاء، لمنع هبوط طائرة إيرانية، قالت إنها كانت تحمل وفدًا حوثيًا عائدًا من طهران. وأعقب ذلك إطلاق الحوثيين صواريخ باتجاه الأراضي السعودية، في خطوة عُدت مؤشرًا على انهيار حالة التهدئة التي استمرت بين الجانبين خلال السنوات الماضية.
5- توسيع الضغوط على الملاحة الإقليمية: ضمن مساعيها لرفع كلفة الضغوط العسكرية على إيران، أعلنت جماعة الحوثيين فرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة ببعض جيران اليمن، فيما وصفته بمعادلة “الحصار بالحصار”.
وجاء ذلك بعد أيام من استهداف مطار أبها بطائرات مسيّرة وصواريخ، في تطور عكس اتساع نطاق التصعيد بين الجماعة وواحدة من دول المنطقة، بعد سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة أبريل 2022.
6- تهديد الممرات البحرية الدولية: تزامنت التهديدات الحوثية بإغلاق باب المندب مع التلويح الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أثار مخاوف من تعرض اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم لاضطرابات متزامنة، بما ينعكس على حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة.
وفي هذا السياق، أشار مسؤولون يمنيون إلى أن الحوثيين نفذوا أكثر من 180 هجومًا على سفن تجارية وعسكرية، تسببت في إلحاق أضرار بعشرات السفن، محذرين من تصاعد التهديدات التي تواجه أمن الملاحة الدولية.
قيود ضاغطة:
رغم التصعيد السياسي والعسكري، تواجه جماعة الحوثيين مجموعة من القيود التي قد تحد من قدرتها على الاستمرار في توسيع عملياتها، من أبرزها:
(*) تراجع خطوط الإمداد: أسهمت الضربات التي استهدفت البنية العسكرية الإيرانية في تعقيد عمليات نقل الأسلحة والمكونات العسكرية إلى اليمن.
(*) الضغوط الأمريكية: تشير تقارير إلى أن الجماعة تلقت رسائل تحذير غير مباشرة من الولايات المتحدة، عبر وسطاء، من مغبة الانخراط المباشر في الحرب بصورة أوسع.
(*) الضغوط العسكرية اليمنية: كثفت القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عملياتها ضد البنية اللوجستية للحوثيين، وفي مقدمتها استهداف مدرج مطار صنعاء، لمنع استخدامه في استقبال رحلات يُعتقد أنها تنقل دعمًا عسكريًا من إيران.
(*) الضغوط الدولية: تصاعدت خلال يوليو 2026 المواقف الدولية الداعية إلى حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، إذ اتهمت الولايات المتحدة الحوثيين بتهديد أمن الملاحة، فيما شددت كل من اليونان وفرنسا، خلال جلسة لمجلس الأمن، على ضرورة ضمان حرية عبور السفن، ومنع أي تهديد للممرات البحرية الدولية.
في النهاية، تكشف تطورات الموقف أن تفاعل جماعة الحوثيين مع تجدد الضربات الأمريكية على إيران لم يكن استجابة ظرفية، بقدر ما جاء امتدادًا لطبيعة الارتباط السياسي والعسكري بين الجماعة وطهران.
فرغم تصاعد الخطاب التهديدي ومحاولات توسيع نطاق الضغط عبر البحر الأحمر وباب المندب، فإن قدرة الجماعة على تحويل هذا الخطاب إلى تصعيد مستدام تظل رهينة بمجموعة من المحددات، في مقدمتها حجم الدعم الإيراني، والضغوط العسكرية التي تواجهها داخل اليمن، والمواقف الدولية الرافضة لتهديد أمن الملاحة.
ومن ثم، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لاستمرار سياسة التصعيد المحسوب، بما يحافظ على دور الجماعة ضمن معادلات الصراع الإقليمي، دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز قدرتها على التحمل.
