كيف تثور البراكين؟ أسرار علمية تفسر انفجار الجبال وخروج الحمم من باطن الأرض
تعرف على أسباب ثوران البراكين، وكيف تتكون الحمم البركانية، ولماذا تختلف قوة الانفجارات من بركان إلى آخر، وطرق مراقبة العلماء للنشاط البركاني والتنبؤ بمخاطره.
تُعد البراكين من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للدهشة، إذ يمكن أن تتحول الجبال الهادئة في غضون ساعات إلى مصادر هائلة للحمم والرماد والغازات الساخنة. وعلى الرغم من أن الثوران البركاني قد يتسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة، فإن البراكين تؤدي أيضًا دورًا مهمًا في تشكيل سطح الأرض، وتكوين جزر جديدة، وإنتاج بعض أنواع الصخور والتربة الغنية بالمعادن.
وتحدث هذه الظاهرة نتيجة عمليات جيولوجية معقدة تجري في أعماق الأرض، حيث تتحرك الصخور المنصهرة والغازات تحت ضغط وحرارة مرتفعين. وعندما تجد هذه المواد طريقًا إلى السطح عبر الشقوق والفتحات الموجودة في القشرة الأرضية، قد يبدأ الثوران البركاني بدرجات متفاوتة من القوة.
ولا تتشابه جميع البراكين في طريقة نشاطها؛ فبعضها يطلق الحمم ببطء على جوانبه، بينما يشهد بعضها الآخر انفجارات عنيفة تقذف الرماد والصخور إلى ارتفاعات كبيرة في الغلاف الجوي. ويرتبط هذا الاختلاف بتركيب الصهارة ودرجة لزوجتها وكمية الغازات الموجودة فيها، إلى جانب عوامل جيولوجية أخرى.
ما البركان وكيف يتكون داخل الأرض؟
البركان هو فتحة أو مجموعة من الشقوق في القشرة الأرضية تسمح بخروج الصهارة والغازات والمواد الصلبة من باطن الأرض إلى سطحها. وعندما تصل الصهارة إلى السطح، يُطلق عليها اسم الحمم البركانية، بينما تُعرف المواد الصخرية والرماد المتناثر باسم المقذوفات البركانية.
وتتكون الأرض من طبقات رئيسية تشمل القشرة الخارجية، والوشاح الذي يقع تحتها، واللب الداخلي والخارجي. وتوجد معظم العمليات المرتبطة بتكوين الصهارة في أجزاء من الوشاح والقشرة، حيث يمكن أن تنصهر الصخور جزئيًا تحت ظروف معينة من الحرارة والضغط والتركيب الكيميائي.
ولا يعني ذلك أن باطن الأرض عبارة عن محيط متصل من الصخور السائلة؛ فمعظم الوشاح صلب، لكنه يستطيع التحرك ببطء شديد على مدى فترات زمنية طويلة. وتنشأ الصهارة عندما تسمح الظروف المحلية بانصهار جزء من الصخور، ثم تتحرك المواد المنصهرة إلى مناطق أعلى إذا كانت أقل كثافة من الصخور المحيطة بها.
وقد تتجمع الصهارة في خزانات أو مناطق داخل القشرة الأرضية، لكنها لا تصل إلى السطح في كل الحالات. فإذا توافرت الظروف المناسبة ووجدت مسارات تسمح بصعودها، يمكن أن تتشكل القنوات البركانية التي تنتهي بفتحات على سطح الأرض.
لماذا تثور البراكين فجأة؟
يحدث الثوران عندما تتمكن الصهارة والغازات المصاحبة لها من الوصول إلى السطح، أو عندما يرتفع الضغط داخل النظام البركاني إلى مستوى يؤدي إلى اندفاع المواد الموجودة تحته.
وتحتوي الصهارة على غازات مذابة، من بينها بخار الماء وثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت. ومع انخفاض الضغط أثناء صعود الصهارة، تبدأ الغازات في الانفصال عنها وتكوين فقاعات. وإذا تمددت هذه الفقاعات بسرعة داخل صهارة لزجة، فقد تتراكم الضغوط وتؤدي إلى انفجار قوي.
لكن ليس كل ثوران بركاني انفجاريًا؛ فالصهارة الأقل لزوجة تستطيع السماح للغازات بالخروج بسهولة أكبر، ما قد يؤدي إلى تدفقات حمم أكثر هدوءًا نسبيًا. أما الصهارة الغنية بالسيليكا، التي تتميز غالبًا بلزوجة أعلى، فقد تحتجز الغازات بصورة أكبر، وهو ما يزيد احتمالات حدوث انفجارات عنيفة عندما تتوافر الظروف المناسبة.
وتؤثر كمية الصهارة ومعدل صعودها وبنية القنوات البركانية في طبيعة الثوران. لذلك لا يستطيع العلماء تحديد قوة الانفجار اعتمادًا على عامل واحد فقط، بل يحتاجون إلى دراسة مجموعة من المؤشرات الجيولوجية والفيزيائية.
ما الفرق بين الحمم البركانية والرماد؟
تُستخدم كلمة الحمم لوصف الصخور المنصهرة التي تصل إلى سطح الأرض، وقد تتدفق على المنحدرات لمسافات تختلف بحسب درجة حرارتها ولزوجتها ومعدل خروجها وطبيعة التضاريس.
أما الرماد البركاني، فهو جزيئات دقيقة من المواد الصخرية والزجاج البركاني والمعادن تتكون عندما تتفتت الصهارة أو الصخور أثناء الثوران. وعلى الرغم من اسمه، فإنه ليس رمادًا ناتجًا عن احتراق الخشب أو المواد العضوية.
وقد تحمل الأعمدة البركانية الرماد إلى مسافات بعيدة، قبل أن يسقط على المدن والقرى والأراضي الزراعية. ويمكن أن يؤدي تراكمه إلى تدهور جودة الهواء، وإلحاق الضرر بالمحاصيل، وتعطيل حركة الطيران، خصوصًا إذا وصل إلى المسارات التي تستخدمها الطائرات.
وتشمل مخاطر الثوران أيضًا تدفقات الحمم البركانية، والتدفقات الحارقة التي تتكون من غازات ساخنة ومواد بركانية تتحرك بسرعة على المنحدرات، إلى جانب الانهيارات الأرضية البركانية والسيول الطينية التي قد تنشأ عندما تختلط المواد البركانية بالمياه.
أين تتركز البراكين حول العالم؟
توجد نسبة كبيرة من البراكين النشطة في المناطق التي تلتقي فيها الصفائح التكتونية أو تتحرك إحداها بالنسبة إلى الأخرى. ومن أبرز هذه المناطق ما يُعرف بحزام النار حول المحيط الهادئ، الذي يضم أجزاء من شرق آسيا وأوقيانوسيا والسواحل الغربية للأمريكتين.
وتنشأ براكين عديدة عندما تنغمس صفيحة تكتونية تحت أخرى، وهي عملية تُعرف بالاندساس. ويسهم الماء والمواد المتطايرة المنقولة مع الصفيحة الهابطة في تسهيل انصهار الصخور في المناطق المحيطة، ما يساعد على تكوين الصهارة وصعودها.
كما يمكن أن تتشكل البراكين في مناطق تبتعد فيها الصفائح عن بعضها، إذ يسمح التمدد بصعود مواد ساخنة من الوشاح وانصهار جزء منها بسبب انخفاض الضغط. وتوجد براكين أخرى بعيدًا عن حدود الصفائح، وقد ترتبط بمناطق صعود ساخن من أعماق الوشاح، رغم أن تفسير بعض هذه الحالات ما زال موضوعًا للدراسة العلمية.
ولا تقتصر البراكين على اليابسة؛ فهناك نشاط بركاني واسع تحت المحيطات، وقد يؤدي تراكم الحمم على مدى فترات طويلة إلى تكوين جبال بحرية أو جزر بركانية جديدة عندما تصل التكوينات إلى سطح الماء.
كيف يراقب العلماء البراكين قبل الثوران؟
لا يستطيع العلماء تحديد موعد كل ثوران بركاني بدقة مطلقة، لكنهم يستخدمون وسائل متعددة لرصد التغيرات التي قد تشير إلى ازدياد النشاط.
ومن أهم هذه الوسائل أجهزة قياس الزلازل، التي ترصد الهزات الصغيرة الناتجة عن حركة الصهارة والغازات داخل الصخور. وقد يسبق الثوران ارتفاع في عدد الهزات أو تغير في طبيعتها، إلا أن هذه العلامات لا تعني دائمًا أن الانفجار أصبح وشيكًا.
ويراقب الباحثون كذلك تشوه سطح الأرض باستخدام أجهزة تحديد المواقع وأنظمة الرصد بالأقمار الصناعية. وقد يشير انتفاخ منطقة بركانية إلى تراكم الصهارة تحتها، بينما يمكن أن تكشف التغيرات في شكل السطح عن حركة المواد داخل النظام البركاني.
كما تُقاس انبعاثات الغازات ودرجات الحرارة، وتُستخدم الصور الحرارية والاستشعار عن بعد لمتابعة التغيرات التي يصعب رصدها من الأرض. ويجمع العلماء هذه البيانات مع التاريخ السابق للبركان وطبيعة الصخور والتضاريس المحيطة به لتقييم مستوى الخطورة.
وتعتمد التحذيرات الرسمية على قراءة المؤشرات مجتمعة، وليس على علامة منفردة. وقد يرتفع النشاط دون حدوث ثوران كبير، كما قد تتطور بعض الأحداث بسرعة تجعل التنبؤ بتفاصيلها أمرًا صعبًا.
هل يمكن التنبؤ بالثوران البركاني؟
تتمثل إحدى أهم مهام علم البراكين في تقدير احتمالات الثوران وتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر. ويختلف ذلك عن القدرة على معرفة الساعة واليوم اللذين سيحدث فيهما الانفجار، وهي دقة لا يمكن ضمانها في جميع الحالات.
وقد تنجح المراقبة في اكتشاف تغيرات تسبق بعض الثورات بفترة تسمح بإصدار تحذيرات وإجلاء السكان من المناطق المعرضة للخطر. وفي حالات أخرى، تكون الإشارات محدودة أو ملتبسة، ما يزيد صعوبة اتخاذ القرار.
وتساعد خرائط المخاطر البركانية على تحديد المناطق المحتمل وصول الحمم أو الرماد أو التدفقات الحارقة إليها. كما تتيح خطط الطوارئ تنظيم طرق الإخلاء، وتحديد أماكن آمنة، وتدريب السكان على التعامل مع التحذيرات الرسمية.
ويظل الالتزام بتعليمات السلطات المختصة أمرًا أساسيًا، لأن الاقتراب من فوهة نشطة أو عبور مناطق تغطيها المواد البركانية قد يعرض الأشخاص لمخاطر لا يمكن تقديرها بالعين المجردة.
كيف تفيد البراكين البيئة رغم مخاطرها؟
على الرغم من آثارها المدمرة المحتملة، فإن البراكين تسهم في عمليات طبيعية طويلة الأمد. فعندما تبرد الحمم، تتكون صخور جديدة تشارك في بناء القشرة الأرضية، وقد تؤدي الثورات المتكررة إلى تكوين جزر وسلاسل جبلية.
وتصبح بعض الأراضي البركانية غنية بالعناصر المعدنية بعد تعرض الصخور للتجوية والتحلل على مدى فترات طويلة، وهو ما قد يدعم الزراعة في مناطق معينة. كما يمكن استغلال الحرارة الموجودة في بعض المناطق البركانية لإنتاج الطاقة الحرارية الأرضية، وفقًا للظروف الجيولوجية والاقتصادية المتاحة.
لكن هذه الفوائد لا تظهر بالضرورة فورًا، ولا تعني أن جميع المناطق البركانية مناسبة للزراعة أو إنتاج الطاقة. فطبيعة الصخور وكمية الأمطار وخصائص التربة ومدى استقرار النشاط البركاني كلها عوامل تحدد إمكان الاستفادة من تلك المناطق.
وفي النهاية، تكشف البراكين عن أن سطح الأرض ليس ثابتًا، بل يتغير باستمرار بفعل الطاقة والعمليات الجيولوجية العميقة. ومع تطور أجهزة الرصد والنماذج العلمية، تتزايد قدرة الباحثين على فهم سلوك البراكين وتقليل المخاطر، رغم بقاء بعض جوانب هذه الظاهرة معقدة وغير قابلة للتنبؤ الكامل.



