كندا وتركيا تعلنان شراكة استراتيجية جديدة.. اتفاقات في الدفاع والطاقة ومفاوضات لفتح التجارة
أعلنت كندا وتركيا في 22 أكتوبر 2026 الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، خلال زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى أنقرة ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في خطوة تستهدف توسيع التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والصناعات الدفاعية والنقل.
وشهدت الزيارة توقيع ثلاثة اتفاقات للتعاون في مجالات الدفاع والنقل والطاقة، إلى جانب الإعلان عن بدء مفاوضات بشأن اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين. وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه أوتاوا إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية وتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية، بينما تعمل أنقرة على توسيع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع شركاء دوليين مختلفين.
وتحمل الزيارة أهمية سياسية واقتصادية؛ فهي أول زيارة ثنائية إلى تركيا يقوم بها رئيس وزراء كندي، كما تفتح المجال أمام تعاون أوسع بين دولتين تنتميان إلى حلف شمال الأطلسي، رغم اختلاف أولوياتهما في عدد من الملفات الدولية والحقوقية.
لماذا تسعى كندا إلى توسيع علاقاتها مع تركيا؟
تواجه كندا تحديات مرتبطة بالعلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، في ظل الخلافات حول الرسوم الجمركية والسياسات الاقتصادية. ويدفع هذا الوضع الحكومة الكندية إلى البحث عن أسواق بديلة وفرص إضافية أمام الشركات المحلية، بما يساعدها على توزيع المخاطر وعدم الاعتماد على شريك تجاري واحد بدرجة كبيرة.
ولا يعني التوجه نحو تنويع الشراكات أن كندا تستطيع الاستغناء عن السوق الأمريكية بسهولة؛ فالعلاقات الاقتصادية بين البلدين عميقة ومتشابكة. لكن توسيع التعامل مع أسواق أخرى قد يمنح الشركات الكندية خيارات إضافية، ويساعد الحكومة على تعزيز قدرتها التفاوضية في التجارة الدولية.
وتوفر تركيا سوقًا كبيرة نسبيًا، إلى جانب موقع جغرافي يربط بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. ويمكن لهذا الموقع أن يجعلها شريكًا مناسبًا لبعض الشركات الكندية التي تبحث عن فرص في مجالات الصناعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا.
وتسعى أنقرة بدورها إلى زيادة حجم تجارتها الخارجية وجذب استثمارات جديدة، بما يدعم قطاعاتها الصناعية والخدمية. ولهذا فإن الشراكة الجديدة لا تقتصر على تبادل التصريحات السياسية، بل ترتبط بمصالح اقتصادية يمكن أن تتحول إلى عقود ومشروعات إذا نجحت المفاوضات.
اتفاقية التجارة الحرة في صدارة الملفات الاقتصادية
يمثل بدء المفاوضات بشأن اتفاقية تجارة حرة أحد أبرز مخرجات زيارة كارني. ومن شأن اتفاق كهذا، إذا تم التوصل إليه والتصديق عليه وتنفيذه، أن يضع قواعد أكثر وضوحًا للتبادل التجاري بين البلدين، وقد يساعد على تقليل بعض العقبات أمام دخول السلع والخدمات إلى الأسواق.
لكن بدء المفاوضات لا يعني أن الاتفاقية أصبحت نافذة أو أن الرسوم الجمركية أُلغيت بالفعل. فالتوصل إلى اتفاق شامل يتطلب التفاوض بشأن المنتجات والخدمات والقواعد المنظمة للتجارة وآليات تسوية الخلافات، فضلًا عن الإجراءات القانونية المطلوبة في كل دولة.
ويمكن أن تستفيد الشركات من الاتفاق المحتمل عبر تحسين فرص التصدير، وتوسيع الشراكات الصناعية، والوصول إلى موردين وأسواق جديدة. غير أن حجم المكاسب سيعتمد على تفاصيل الاتفاق النهائي، والقطاعات التي يشملها، ومدى قدرته على معالجة العقبات التي تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتسعى الدول عادة إلى اتفاقات التجارة الحرة من أجل تسهيل حركة السلع والخدمات، لكنها تحتاج أيضًا إلى ضمانات تمنع حدوث اختلالات غير مرغوبة في المنافسة. ولذلك سيكون من المهم متابعة المفاوضات لمعرفة ما إذا كانت ستشمل ترتيبات واسعة أم ستترك بعض القطاعات خاضعة لقواعد خاصة.
التعاون الدفاعي ودور البلدين داخل حلف الناتو
يأتي التعاون في الصناعات الدفاعية ضمن الاتفاقات التي أعلنتها كندا وتركيا. ويتيح هذا المجال فرصة لربط الشركات العاملة في البلدين، وتبادل الخبرات الصناعية، ودراسة إمكانات التعاون في إنتاج المعدات والتقنيات المرتبطة بالأمن والدفاع.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن البلدين عضوان في حلف شمال الأطلسي، الذي يعتمد على التعاون بين الدول الأعضاء في تطوير القدرات الدفاعية وتعزيز قابلية العمل المشترك. ويمكن للتعاون الصناعي أن يدعم سلاسل الإمداد ويخلق فرصًا للشركات، كما قد يتيح تطوير منتجات موجهة للأسواق المحلية أو للتصدير وفق القواعد المنظمة.
لكن الاتفاق على التعاون الدفاعي لا يعني بالضرورة إبرام صفقة أسلحة محددة أو الموافقة على مشروع إنتاج بعينه. فهذه الخطوات تحتاج إلى عقود منفصلة وتفاصيل فنية ومالية، إضافة إلى الالتزام بضوابط التصدير والاستخدام النهائي للمعدات.
ويأتي التقارب بعد أن رفعت كندا في عام 2024 قيودًا كانت قد فرضتها على تصدير بعض المعدات العسكرية إلى تركيا. وتعكس هذه الخلفية أن العلاقات الدفاعية قد تتأثر بالخلافات السياسية والتطورات الإقليمية، حتى بين الدول التي تشترك في عضوية تحالف عسكري واحد.
الطاقة النووية وتنويع مصادر الإمدادات
برز قطاع الطاقة أيضًا في المباحثات، خصوصًا مع اهتمام تركيا بتطوير قدراتها في مجال الطاقة النووية، ورغبة كندا في توسيع فرص شركاتها العاملة في الطاقة والتكنولوجيا المرتبطة بها.
وتعمل تركيا على إنشاء محطة نووية على ساحل البحر المتوسط بمشاركة روسية، كما تبحث خططًا لتطوير محطة نووية ثانية على ساحل البحر الأسود. وأبدت كندا اهتمامًا بإمكان المشاركة في المشروع الثاني، وفق المعلومات المعلنة خلال الزيارة.
ويعكس هذا الاهتمام رغبة أنقرة في تنويع شركائها في قطاع الطاقة، والاستفادة من خبرات مختلفة في التكنولوجيا والتمويل والهندسة. أما كندا، فتملك خبرات في مجال الطاقة النووية المدنية، وهو ما قد يتيح فرصًا لشركاتها إذا تطورت المباحثات إلى ترتيبات عملية.
ومع ذلك، فإن الاهتمام بمشروع نووي لا يعني أن عقدًا نهائيًا قد أُبرم. فالمشروعات النووية تحتاج إلى دراسات فنية ومالية، وتقييمات للسلامة، وأطر تنظيمية، وضمانات بشأن التمويل والتشغيل والصيانة على مدى طويل.
كما أن التعاون في الطاقة لا يقتصر على النووي؛ إذ يمكن أن يشمل الغاز الطبيعي المسال وتقنيات الطاقة الجديدة ومشروعات البنية الأساسية، وهي مجالات ترتبط بأمن الإمدادات وقدرة الدول على مواجهة تقلبات الأسواق.
رفع حجم التجارة هدف طموح
أعلن أردوغان أن البلدين يستهدفان زيادة حجم التجارة الثنائية من نحو 3 مليارات دولار سنويًا إلى 5 مليارات دولار في مرحلة أولى، ثم إلى 10 مليارات دولار لاحقًا. ويعكس هذا الهدف طموحًا لتوسيع التبادل الاقتصادي، لكنه يظل مستهدفًا يحتاج إلى خطوات عملية لتحقيقه.
فزيادة التجارة تتطلب نمو الطلب، وتوافر المنتجات التنافسية، وتطوير قنوات النقل، وتسهيل إجراءات الأعمال، إلى جانب تعزيز معرفة الشركات بفرص الأسواق المقابلة. كما أن الاتفاقات التجارية وحدها لا تضمن ارتفاع التبادل إذا لم تجد الشركات فرصًا حقيقية ومربحة للتوسع.
ومن الممكن أن تسهم الزيارات التجارية والمنتديات الاقتصادية في تعريف الشركات بالفرص المتاحة، بينما تساعد التفاهمات الحكومية على حل بعض العقبات التنظيمية. لكن قياس النجاح سيكون مرتبطًا بالبيانات التجارية الفعلية في السنوات المقبلة، وليس فقط بالأهداف المعلنة.
حقوق الإنسان والتحديات السياسية
لم تخلُ الزيارة من أسئلة تتعلق بحقوق الإنسان والحريات العامة في تركيا. فقد طالبت منظمة العفو الدولية رئيس الوزراء الكندي بإثارة المخاوف الحقوقية خلال زيارته، في ظل انتقادات مرتبطة بالتعامل مع المعارضة واعتقالات طالت صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق مجتمع الميم.
وفي 23 أكتوبر، قال كارني إن فريقه أثار قضايا تتعلق بحقوق مجتمع الميم خلال الاجتماعات مع المسؤولين الأتراك. وأوضح أن إقامة شراكات مع دول أخرى لا تعني الموافقة على جميع سياساتها. وفي المقابل، تؤكد السلطات التركية استقلال القضاء وترفض الاتهامات بأن التحقيقات القضائية ذات دوافع سياسية.
ويبرز هذا الملف معضلة تواجه كثيرًا من الحكومات: كيف يمكن توسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع دولة شريكة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المواقف المعلنة بشأن الحقوق والحريات؟ وقد تختلف الإجابات من حكومة إلى أخرى، لكن استمرار الحوار العلني والخاص قد يتيح طرح المخاوف دون إيقاف جميع قنوات التعاون.
ماذا تعني الشراكة الجديدة مستقبلًا؟
تفتح الاتفاقات المعلنة بين كندا وتركيا الباب أمام مرحلة أكثر تنظيمًا في العلاقات الثنائية، لكنها لا تمثل نهاية المفاوضات. فالتحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة الشراكة الاستراتيجية إلى مشروعات واضحة، وزيادة التجارة، وتوسيع الاستثمارات، وتحقيق نتائج ملموسة في مجالات الطاقة والدفاع والنقل.
وستكون متابعة مفاوضات التجارة الحرة، والتعاون بين الشركات، وأي تطورات بشأن مشروعات الطاقة، مؤشرات مهمة لتقييم مدى نجاح الاتفاقات. كما ستظل القضايا السياسية والحقوقية عاملًا مؤثرًا في طبيعة العلاقات، خصوصًا إذا تصاعدت الخلافات بشأنها.
وفي المحصلة، تعكس الخطوة رغبة مشتركة في توسيع العلاقات الدولية وتنويع المصالح الاقتصادية والأمنية. غير أن تحقيق الأهداف المعلنة سيحتاج إلى التزام مستمر، واتفاقات تنفيذية، وتقييم واقعي للفرص والتحديات التي تواجه الطرفين.



