يُعدّ تطور أيدي الإنسان من أهم قصص أصل البشر، وأكثرها إغفالاً. والآن، تكشف أدلة أحفورية جديدة عن دورها المحوري.
بحسب ما جاء في تقرير نشره موقع “New Scientist”، أصبح من الممكن أخيراً، بفضل سلسلة من الاكتشافات الجديدة، رسم صورة لكيفية نشوء براعة البشر المذهلة، وروابطها غير المتوقعة بتطور حجم الدماغ.

اختلاف الأيدي

بالمقارنة مع أيدي أقرب الأقرباء الأحياء، الشمبانزي والبونوبو، فإن أيدي البشر غير عادية للغاية. تقول كاري مونغل، الباحثة في التطور البشري بجامعة ستوني بروك في ولاية نيويورك: “تختلف نسب يد الإنسان اختلافاً كبيراً. إذ تشتمل اليد البشرية على إبهام طويل وقوي جداً، مقارنةً بالأصابع”. أما الشمبانزي والبونوبو فلديهما العكس: أصابع طويلة وإبهام نحيل وقصير.

الشمبانزي
الشمبانزي

وتقول مونغل إن “عظام الأصابع نفسها لدى البشر قصيرة نسبياً ومستقيمة. أما لدى الشمبانزي، فهي أكثر انحناءً وأطول بكثير”.

تُسهّل هذه الاختلافات على البشر الإمساك بالأشياء بين الأصابع والإبهام، وهو أمرٌ يُعاني منه الشمبانزي. تُعدّ هذه القبضة الدقيقة أساسيةً لكل شيء، بدءاً من استخدام الأدوات وصولاً إلى مهارات كثيرة مثل العزف على الغيتار. كما يتميّز إبهام الإنسان بمرونة عالية. تقول مونغل إن “الإبهام يستطيع التحرّك في أي اتجاه تقريباً”.

عضلات اليد

يقول كودي برانغ، عالم الأنثروبولوجيا القديمة في جامعة واشنطن في سانت لويس، ميسوري: “يمتلك البشر عضلات يد كبيرة جداً. وهذا جزء مهمّ من إنتاج القبضات الدقيقة والقوية”. ويتأكّد هذا أيضاً من خلال عضلة تُسمّى العضلة المثنية الطويلة للإبهام، والتي لها نقطة ارتكاز على العظم الذي يُشكّل طرف الإبهام، على عكس الشمبانزي حيث لا تمتدّ هذه العضلة إلى هذا الحدّ. يضيف برانغ أن هذه العضلة تثني الإبهام بشكل مستقلّ عن الأصابع الأخرى”.

“أصل الإنسان”

طرح تشارلز داروين اقتراحاً مبكراً. ففي كتابه “أصل الإنسان”، الذي نُشر عام 1871، أشار إلى أن براعة أيدي البشر لم تتطور إلا بعد أن بدأوا المشي منتصبين على قدمين: “لم يكن الإنسان ليتبوأ مكانته المهيمنة الحالية في العالم لولا استخدام يديه… ولكن من الصعب أن تكون اليدان والذراعان قد بلغتا الكمال الكافي لصنع الأسلحة، أو لرمي الحجارة والرماح بدقة، طالما استُخدمتا بشكل معتاد للتنقل وحمل وزن الجسم بالكامل، أو طالما كانتا مهيأتين بشكل خاص، كما ذُكر سابقاً، لتسلق الأشجار.”

بقايا أشباه البشر

كانت فكرة رائعة، ولكن لعقود طويلة لم تكن هناك طريقة لاختبارها. يقول برانغ: “لم تكن هناك أحافير لفترة طويلة”. لم يُعثر إلا على عدد قليل من بقايا أشباه البشر في القرن التاسع عشر.

لكن ما تم اكتشافه في شرق أفريقيا في أوائل القرن العشرين كان أدوات حجرية صنعها أشباه البشر الأوائل في الماضي البعيد. عُثر على بعضٍ من أكثرها بدائية – قطع ورقائق خشنة مصنوعة من طرق حجر بآخر – في وادي أولدوباي (أو أولدوفاي) في تنزانيا على يد فرق بقيادة عالمي الأنثروبولوجيا القديمة الشهيرين لويس وماري ليكي.

عُرفت هذه الأدوات باسم أدوات “أدوات الإنسان القديم”. دفعت هذه الاكتشافات عائلة ليكي إلى مواصلة استكشاف المنطقة، على أمل العثور على صانعي هذه الأدوات.

الإنسان الماهر

في أوائل الستينيات، اكتشف فريق ليكي جمجمة جزئية مصحوبة بعظام يد وقدم. في عام 1964، أعلن لويس ليكي وزملاؤه أنها تنتمي إلى نوع جديد هو الإنسان الماهر Homo habilis، وهو عضو مبكر من جنس الإنسان Homo. وقالوا إن هؤلاء الأشباه البشر هم على الأرجح صانعو أدوات الإنسان القديم.

عظام قوية وأصابع منحنية

تقول تريسي كيفيل من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ بألمانيا: “إنه تطور غريب، لأنه لا يبدو شبيهاً بالبشر، إذ أن “عظام اليد قوية جداً، وعظام الأصابع لا تزال منحنية”. وأضافت أنه “لا يوجد فيها ما يوحي بأنها يد ماهرة للغاية. إنها تبدو أقرب إلى يد القرد”.