
في قلب حي المطرية الشعبي بشرق القاهرة، تقف شجرة معمرة يحيط بها هدوءٌ روحي خاص، تعرف بـ”شجرة السيدة مريم”. وتقول الروايات المتوارثة إن العذراء مريم اصطحبت ابنها السيد المسيح (عليه السلام) إلى ذلك المكان خلال رحلة الهروب من بطش الملك هيرودس، حيث استظلوا بظل هذه الشجرة، التي أصبحت معلمًا تاريخيًا وروحيًا نادرًا في مصر والشرق الأوسط.
إحياء المسار التاريخي للعائلة المقدسة
يقول الخبير الأثري د.أحمد عامر لـ”العربية.نت” و”الحدث.نت”: “مسار رحلة العائلة المقدسة بدأ من بيت لحم إلى وادي النيل، حيث قطعت العائلة المقدسة رحلتها الشاقة التي اجتازت بها براري ووديانا وجبالا وصحاري وعرة واستمرت قرابة ثلاث سنوات، تركت فيها العائلة مزارات دينية وسياحية كثيرة على أرض مصر”.
وأضاف الخبير الأثري أن “الحكومة المصرية تولي أهمية متزايدة لهذا الموقع وغيره من المحطات التي مرت بها العائلة المقدسة خلال رحلتها التاريخية داخل الأراضي المصرية. حيث أطلقت وزارة السياحة والآثار بالتعاون مع الكنيسة القبطية مشروعًا طموحًا لإحياء “مسار العائلة المقدسة”، والذي يمتد لمسافة تزيد على 3 آلاف كيلومتر من شمال سيناء مرورًا بالدلتا ووصولًا إلى صعيد مصر”.
ويتضمن المشروع تطوير 25 نقطة رئيسية تمثل محطات توقفت فيها العائلة المقدسة، من بينها مغارات وأديرة وآبار مياه وأشجار، منها شجرة السيدة مريم العذراء، وكنيسة أبو سرجة بمجمع الأديان بحي مصر القديمة، ودير المحرق في أسيوط، وغيرها من المعالم الدينية والتاريخية.
بئر عتيقة.. ومغارة
ويحتوي مزار “شجرة السيدة مريم” أيضا على بئر عتيقة، والتي يعتقد أنها كانت مصدر الماء للعائلة المقدسة، وأيضا مغارة بجانب الشجرة، يُقال إن العائلة المقدسة لجأت إليها للحماية والراحة، كما يوجد حوض خشبي أثري يعتقد أن السيدة مريم كانت تحمي طفلها السيد المسيح فيه.
فيما يحكي سكان المنطقة أن البئر كانت تُستخدم منذ قرون في التبرك والعلاج، وتناقلوا قصصًا خرافية حول معجزات ارتبطت بالمكان. وبينما لم تُثبت كل هذه القصص علميًا، إلا أن القيمة الروحية والتاريخية للموقع تبقى بلا منازع.
رحلة إيمانية على أرض مصر
وفي زمن تتجدد فيه أهمية السياحة الثقافية والدينية، تراهن مصر على أن تكون “محطة العائلة المقدسة” مشروعًا وطنيًا جامعًا، يعيد للبلاد إشعاعها التاريخي، ويجذب أنظار العالم إلى رحلة إيمانية مرت بها واحدة من أقدس العائلات في الديانات السماوية.
وبينما تواصل فرق العمل على الأرض استكمال الترميمات والإعدادات، يظل مشهد “شجرة السيدة مريم العذراء” رمزًا حيًا لقدرة مصر على الجمع بين عبق الماضي وفرص المستقبل، وتقديم رسالة سلام وتسامح إلى العالم.
