

يصادف التاسع والعشرون من سبتمبر ذكرى صدور حكم الإعدام عام 1943 بحق العميل السوفييتي ريتشارد سورغه، المعروف باسمه الحركي “رامزي”، والذي أدار من العاصمة اليابانية طوكيو واحدة من أنجح شبكات التجسس في التاريخ الحديث تحت غطاء صحفي ألماني.
وقد لعبت التقارير الاستخباراتية التي مررها سورغه دوراً كبيراً في إعادة ترتيب المعطيات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية.
النشأة والتأهيل العلمي والعقائدي
شهدت حياة سورغه تحولات فكرية وميدانية ساهمت في تشكيل شخصيته الاستخباراتية:
-
الخلفية العسكرية: تطوع في الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى وأصيب بجروح بليغة قرب “فردان” في فرنسا، أسفرت عن تشوه دائم في إحدى ساقيه.
-
التحول الفكري: التقى خلال فترة التعافي باشتراكيين يساريين، مما دفعه لتبني الفكر الماركسي الذي شكل إطاره العقائدي لاحقاً.
-
التأهيل الأكاديمي: حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والقانون إلى جانب شهادة في الاقتصاد، مما منحه قدرة على تحليل المعطيات السياسية وعدم الاقتصار على جمع المعلومات الميدانية المجردة.
الاختراق والغطاء الصحفي في طوكيو
تمكن سورغه من العمل في طوكيو خلال الفترة بين عامي 1933 و1941 من خلال التخفي في العلن والانضمام إلى الحزب النازي، متخذاً من عمله كصحفي ألماني غطاءً لنشاطه.
ونجح في تحقيق الاختراقات التالية:
-
توطيد العلاقات: توطيد العلاقة مع الملحق العسكري الألماني “أوجين أوت”، الذي أصبح سفيراً لبرلين في طوكيو لاحقاً.
-
العمل الحكومي: تعيينه ملحقاً صحفياً بالسفارة الألمانية بناءً على توصية “أوت”، ما أتاح له الاطلاع على البرقيات والوثائق المشفرة الصادرة من برلين.
التأثير الميداني ومسار الحرب
ساهمت التقارير الصادرة عن شبكة “رامزي” في اتخاذ قرارات مصيرية من قبل القيادة السوفييتية:
-
الهجوم الألماني: أبلغ موسكو بتفاصيل واستعدادات ألمانيا لمهاجمة الاتحاد السوفييتي، حيث عمل تدريجياً على تضييق نطاق الاحتمالات الزمنية للهجوم.
-
الموقف الياباني: أكد في عدة تقارير أن اليابان لن تفتح جبهة ثانية ضد الاتحاد السوفييتي في الشرق الأقصى عام 1941.
-
إعادة الانتشار: أتاحت هذه المعطيات للزعيم السوفييتي جوزيف ستالين سحب 26 فرقة عسكرية من الشرق الأقصى ونقلها لدعم جبهة موسكو، وهو ما ساهم في نجاح الهجوم السوفييتي المضاد.
الانكشاف والإعدام والاعتراف المتأخر
في 18 أكتوبر 1941، ألقت أجهزة مكافحة التجسس اليابانية القبض على معظم أفراد شبكة “رامزي” عقب فترة من المراقبة والتتبع. وخلال التحقيقات، ادعى سورغه أنه يعمل لصالح منظمة “الكومنترن” (الأممية الثالثة) محاولاً التغطية على جهاز الاستخبارات السوفييتي لتخفيف الأحكام عن رفاقه.
وفي 7 نوفمبر 1944، نُفذ حكم الإعدام شنقاً بحق سورغه في سجن “سوغامو” بطوكيو.
ولم يعترف الاتحاد السوفييتي رسمياً بريتشارد سورغه كعميل لصالح أجهزته إلا في عام 1964 خلال عهد نيكيتا خروتشوف، حيث تم منحه رسمياً لقب “بطل الاتحاد السوفييتي”.

