
يبحث مجلس النواب تعديلات تشريعية جديدة تستهدف إعادة تنظيم آليات الكشف عن تعاطي المواد المخدرة داخل جهات العمل، في خطوة تسعى إلى تحقيق توازن بين تشديد مواجهة التعاطي والحفاظ على الضمانات القانونية للعاملين.
وتأتي التعديلات المقترحة من النائب محمد الصالحي، عضو مجلس النواب، على بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها، لتعيد رسم الإجراءات التي تسبق قرار إنهاء الخدمة، بحيث لا تكون نتيجة الفحص الأولي وحدها كافية لاتخاذ هذا القرار.
التحليل الأولي ليس نهاية المطاف
ويستهدف مشروع التعديل وضع ضوابط أكثر دقة للتعامل مع نتائج تحاليل المخدرات، من خلال الفصل بين نتيجة الفحص الأولي ومرحلة الإثبات النهائي.
وبموجب المقترح، لا يجوز إنهاء خدمة العامل إلا بعد تأكيد إيجابية العينة من خلال تحليل تأكيدي تجريه جهة معتمدة من وزارة الصحة والسكان، إلى جانب ثبوت تعاطي المادة المخدرة دون وجود سند طبي مشروع.
ويمنح التعديل العامل مهلة للاطلاع على نتيجة التحليل الأولي ومراجعتها، إذ يتم إخطاره بالنتيجة خلال 24 ساعة على الأكثر من ظهورها، مع إتاحة الفرصة أمامه لطلب إجراء تحليل تأكيدي خلال 48 ساعة من تاريخ إخطاره.
ويعني ذلك عمليًا أن النتيجة الأولية لا تتحول بصورة تلقائية إلى قرار نهائي بإنهاء الخدمة قبل استكمال إجراءات التحقق.
العلاج قبل الفصل.. باب جديد للعامل
ومن أبرز ما يتضمنه المقترح إتاحة فرصة للعامل الذي يبادر من تلقاء نفسه إلى طلب العلاج من التعاطي.
وينص التعديل على استثناء العامل من إنهاء الخدمة إذا تقدم للعلاج قبل إجراء التحليل أو فور إخطاره بالنتيجة الإيجابية الأولية، على أن يتم وقف الإجراءات المتخذة بحقه إلى حين انتهاء البرنامج العلاجي والتأكد من تعافيه، وفقًا للقواعد التي تحددها اللائحة التنفيذية.
وتعكس هذه الخطوة توجهًا نحو الجمع بين الردع والعلاج، بدلًا من الاقتصار على العقوبة الوظيفية، مع منح العامل فرصة للعلاج وإعادة التأهيل قبل الوصول إلى مرحلة إنهاء الخدمة.
سرية النتائج.. حماية البيانات الطبية
وضع مشروع التعديل أيضًا قواعد أكثر وضوحًا للتعامل مع المعلومات الناتجة عن التحاليل الطبية، حيث يعتبر بيانات وإجراءات الفحوص معلومات سرية.
ولا يجوز الإفصاح عن هذه البيانات أو تداولها إلا في الحدود التي تفرضها التحقيقات أو إجراءات التقاضي، مع تقرير جزاء تأديبي، دون الإخلال بأي مسؤولية جنائية، بحق من يخالف قواعد السرية.
ويستهدف هذا النص الحد من تداول المعلومات الطبية للعاملين خارج القنوات الرسمية، خاصة أن نتائج تحاليل المخدرات يمكن أن تترك آثارًا مباشرة على الوضع الوظيفي والاجتماعي للشخص.
لجنة تظلمات برئاسة قاضٍ
ولتعزيز حق العامل في الاعتراض، يقترح مشروع القانون إنشاء لجنة للتظلمات في كل محافظة، تكون مهمتها بحث القرارات الصادرة بإنهاء الخدمة وفقًا لأحكام القانون.
ويرأس اللجنة قاضٍ ينتدبه رئيس المحكمة الابتدائية المختصة، إلى جانب ممثل عن وزارة الصحة والسكان وممثل عن الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
ويحدد المشروع مدة أقصاها 15 يومًا للفصل في التظلم من تاريخ تقديمه، مع منح التظلم أثرًا مهمًا يتمثل في وقف تنفيذ قرار إنهاء الخدمة إلى حين صدور قرار اللجنة.
ماذا قال صاحب المقترح؟
ويؤكد النائب محمد الصالحي أن التعديل المقترح يستند إلى ما أظهره التطبيق العملي للقانون من ضرورة تعزيز الضمانات القانونية والإجرائية للعاملين، بالتوازي مع استمرار جهود الدولة لمواجهة تعاطي المواد المخدرة في أماكن العمل.
وأوضح أن الهدف لا يتمثل في التهاون مع التعاطي، وإنما ضمان أن يتم إنهاء خدمة العامل بناءً على نتيجة مؤكدة وإجراءات مكتملة، من خلال تحليل تأكيدي صادر عن جهة مختصة.
كما شدد على أهمية توفير حق التظلم أمام لجنة تتمتع بطابع قضائي، إلى جانب حماية سرية البيانات الطبية المرتبطة بنتائج التحاليل.
من العقوبة إلى التحقق والعلاج والتظلم
ويعيد مشروع التعديل المقترح ترتيب مراحل التعامل مع حالات الاشتباه في تعاطي المواد المخدرة، بدءًا من التحليل الأولي، مرورًا بالتحليل التأكيدي، ووصولًا إلى العلاج والتظلم عند الحاجة.
وبذلك يجمع المقترح بين تشديد الرقابة على تعاطي المواد المخدرة داخل بيئة العمل، وبين وضع ضمانات تحول دون اتخاذ قرار نهائي بإنهاء الخدمة قبل استكمال إجراءات الإثبات.
ومن المنتظر أن يستكمل مجلس النواب مناقشة مشروع التعديل، تمهيدًا لتحديد موقفه من المواد المقترحة ومدى توافقها مع أحكام القانون الحالي.
