
التقى قادة عشر دول، من بينها الصين وروسيا والهند وإيران، في العاصمة القيرغيزية بيشكيك، على هامش قمة منظمة شنجهاي للتعاون التي استضافتها قيرغيزستان على مدار يومين، في مشهد كشف عن حجم النفوذ المتنامي للرئيس الصيني شي جين بينج وقدرته على تشكيل تحالفات موازية بعيدًا عن المظلة الأمريكية. ووفقًا لما رصدته صحيفة “نيويورك تايمز”، جاءت القمة في توقيت بالغ الحساسية، تتصاعد فيه حدة الصراعات الجيوسياسية في أوكرانيا والشرق الأوسط، وتتراجع فيه مصداقية التهديدات الاقتصادية الأمريكية أمام بكين، لتتحول بيشكيك إلى مرآة تعكس حدود الحرب الاقتصادية التي تشنها واشنطن، ومنصة يُرسخ منها شي مكانته زعيمًا للدول غير الغربية الساعية إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.
جني الثمار
رصدت “نيويورك تايمز” أن الحربين الدائرتين في أوكرانيا والشرق الأوسط لم تُضعفا شي جين بينج، بل منحتاه نفوذًا استثنائيًا لم يكن يتوقعه في زمن السلم، فلا دولة في العالم أكثر أهمية من الصين في إبقاء اقتصادَي روسيا وإيران على قيد الحياة، إذ تعمل بكين بوصفها أكبر مستورد للنفط الخام وأكبر مُصدِّر للسلع الاستهلاكية في العالم، ما يضعف جهود واشنطن وحلفائها للضغط على موسكو وطهران.
وبينما انشغلت الولايات المتحدة بحربها على إيران وأعادت تموضع جزء من قواتها العسكرية بعيدًا عن آسيا وأوروبا، وجد شي الميدان مفتوحًا أمامه، وحين أطلق ترامب تهديداته بشن “يوم الحسم الاقتصادي” على الدول التي ترفع العقوبات عن إيران، جاء الرد الصيني صامتًا لكن بليغًا؛ لم تُنفَّذ أي عقوبات بحق بكين، تمامًا كما أحجمت واشنطن سابقًا عن معاقبتها على شراء النفط الروسي.
في هذا السياق، قال جوليان جيفيرتز، المدير الأول السابق لشؤون الصين وتايوان في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال إدارة بايدن، لصحيفة “نيويورك تايمز”: “بات ترامب يعاني من أزمة مصداقية حقيقية أمام شي، فتهديداته وضماناته على حد سواء باتت في نظر بكين كأنها مكتوبة بالقلم الرصاص”.
زعيم جديد للعالم
أوضحت “نيويورك تايمز” أن أولوية شي في بيشكيك تجاوزت الملفات الثنائية نحو هدف أشمل، وهو ترسيخ صورته زعيمًا للدول غير الغربية والمدافع عن نظام عالمي متعدد الأقطاب في مواجهة ما يصفه بـ”الهيمنة الأمريكية”.
وتندرج قمة بيشكيك ضمن جولة دبلوماسية مُحكمة التوقيت، يعتزم فيها شي زيارة مصر والهند في جولتَي دولة قبل التوجه إلى واشنطن لتمديد الهدنة التجارية مع ترامب.
ويرى المحللون أن هذه الجولة مُصممة بعناية لتُقدم الزعيم الصيني رجلَ دولة مؤثرًا في لحظة تتصدع فيها التحالفات الأمريكية.
كما علق جيفيرتز لـ”نيويورك تايمز”: “شي يرى فرصة سانحة ليُظهر أن للصين أصدقاء وخيارات في كل أرجاء العالم، في اللحظة التي تُنفِّر فيها واشنطن كثيرًا من حلفائها”.
نفوذ بكين بلا حدود
غير أن “نيويورك تايمز” نبهت إلى أن نفوذ شي ليس بلا حدود، فرغم الطابع الأمني لمنظمة شنجهاي للتعاون، فإن بكين ترفض قطعيًا الانزلاق في فخ الاستنزاف العسكري مع الدول الأعضاء، مثل إيران أو روسيا، مكتفيةً بدعوات الحوار وتوسيع التبادل التجاري وتزويد الأطراف بتقنيات قابلة للتوظيف الميداني.
والتقى شي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش القمة، مشيدًا بمستقبل العلاقات الثنائية، فيما أعلن بوتين استعداده لتثبيت نظام التنقل المعفى من التأشيرة بين البلدين بصورة دائمة، وأشار إلى أن أول رحلة منتظمة لسفينة حاويات صينية عبرت طريق القطب الشمالي في منتصف أغسطس الماضي، مبشرًا بتعاون أوسع في المنطقة القطبية.
وعلى صعيد إيران، فإن مجرد حضور شي أو غيابه في لقاء ثنائي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سيكون مؤشرًا دقيقًا على مدى استعداد بكين للمجاهرة بدعمها لطهران قبيل زيارة واشنطن الحساسة.
شبكة الدعم الموازية
كشفت “نيويورك تايمز” أن الدول المجتمعة في بيشكيك لا تقتصر أدوارها على الحضور الدبلوماسي، بل تؤدي وظائف اقتصادية وعسكرية محورية، إذ غدت دول آسيا الوسطى شريانًا حيويًا لاستيراد البضائع وتحويل المدفوعات المالية التي تحتاجها روسيا للالتفاف على العقوبات الغربية، كما باتت إيران تعتمد على مسارات بديلة للاستيراد في ظل الحصار الأمريكي.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، تتولى الهند وكازاخستان وبيلاروسيا تزويد روسيا بالبنزين في ظل الضربات الأوكرانية المتواصلة على مصافيها النفطية، فيما صعدت الهند، التي كانت قد خفضت وارداتها النفطية من موسكو تحت ضغط ترامب والعقوبات، من مشترياتها مجددًا حين أشعلت الحرب على إيران فتيل اضطراب أسواق النفط.
أما الصين فتحتل صدارة المستوردين للنفط الروسي والإيراني معًا، وقد مكنتها العقوبات الغربية من تكديس النفط الروسي بأسعار مخفضة، مما يوفر لها وسادة حماية في مواجهة أي تصعيد محتمل في مضيق هرمز.
ترامب بين إيران وبكين
ختمت “نيويورك تايمز” بالإشارة إلى المعضلة الاستراتيجية التي وجدت إدارة ترامب نفسها أمامها، إذ تسعى واشنطن في آنٍ واحد إلى تشديد الخناق على إيران والحفاظ على هدنتها التجارية مع الصين، وهما هدفان يبدوان متناقضين.
وبحسب جيفيرتز، الذي نقلت عنه الصحيفة: “لقد حاصر ترامب نفسه في زاوية ضيقة، إدارته تكافح لتحقيق هدفين يبدوان غير قابلين للتوفيق، وهي تشديد الضغط على إيران مع الإبقاء على الهدنة مع الصين”.
وبينما يستعد شي لزيارة واشنطن، تبقى بيشكيك شاهدةً على أن الحرب الاقتصادية الأمريكية تصطدم بجدار صيني لا تبدو واشنطن قادرة على اختراقه.
