فيديو مفبرك بالذكاء الاصطناعي يسيء إلى شخص.. متى يتحول الأمر إلى جريمة؟
أصبح إنشاء مقاطع فيديو تبدو حقيقية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهل من السابق، وهو ما فتح الباب أمام استخدام هذه الأدوات في الترفيه وصناعة المحتوى، لكنه أوجد في الوقت نفسه مخاطر قانونية عندما يُستخدم وجه شخص أو صوته لصناعة مشهد مفبرك يوحي بأنه قال أو فعل شيئًا لم يحدث.
وقد تنتشر هذه المقاطع عبر منصات التواصل خلال ساعات، ويصعب أحيانًا على المتلقي العادي التمييز بينها وبين التسجيلات الحقيقية. وتزداد خطورة الأمر عندما يتضمن الفيديو اتهامًا كاذبًا أو إساءة للسمعة أو محتوى حميميًا مفبركًا أو محاولة للحصول على المال مقابل حذف المقطع.
ولا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي في صناعة فيديو أن الفعل يصبح جريمة تلقائيًا؛ فالتقييم القانوني يعتمد على المحتوى، والهدف، وطريقة النشر، والضرر الناتج، والنصوص القانونية التي تنطبق على الواقعة.
متى يكون الفيديو المفبرك محل مساءلة قانونية؟
قد يثير الفيديو المفبرك مسؤولية قانونية إذا استُخدم لتشويه سمعة شخص، أو نسب أقوال كاذبة إليه، أو التعدي على خصوصيته، أو تهديده، أو تحقيق منفعة غير مشروعة على حسابه. وقد تتداخل في الواقعة أكثر من مسألة قانونية، مثل الاعتداء على الخصوصية أو القذف أو التهديد أو استخدام وسائل تقنية في ارتكاب فعل مجرّم.
ويجب الانتباه إلى أن كل حالة تحتاج إلى فحص مستقل. فالفيديو الساخر المعلن بوضوح أنه عمل خيالي يختلف عن مقطع يُنشر على أنه تسجيل حقيقي بهدف خداع الجمهور أو الإضرار بشخص معين. كما يختلف الاستخدام الصحفي أو الفني المشروع عن الاستخدام الذي يتضمن تضليلًا ضارًا أو انتهاكًا لحقوق الآخرين.
وتظل القواعد القانونية القائمة قابلة للتطبيق على الأفعال المرتكبة باستخدام أدوات حديثة، حتى عندما لا يذكر النص القانوني اسم التقنية المستخدمة تحديدًا. لكن تحديد الجريمة والعقوبة لا يكون بمجرد وصف الفيديو بأنه «ذكاء اصطناعي»، بل بعد فحص عناصر الواقعة.
ما القوانين التي قد ترتبط بهذه الوقائع في مصر؟
قد تتصل بعض الوقائع بأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، أو بأحكام قانون العقوبات المتعلقة بالجرائم التي تتحقق عناصرها بحسب المحتوى والظروف. وقد تثار أيضًا مسائل تتعلق بالحق في الخصوصية أو حماية البيانات الشخصية، بحسب طريقة الحصول على البيانات واستخدامها ونشرها.
ولا يصح تحديد مادة قانونية أو عقوبة واحدة لكل فيديو مفبرك؛ إذ تختلف النتيجة بحسب ما إذا كان المقطع يتضمن ادعاءً كاذبًا، أو تهديدًا، أو ابتزازًا، أو محتوى ينتهك الخصوصية، أو مجرد استخدام فني لا يسبب ضررًا ولا يتضمن خداعًا غير مشروع.
كذلك، فإن إثبات أن الفيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي قد يتطلب فحصًا فنيًا، لكن اكتشاف التزييف وحده لا يحدد بالضرورة هوية من أنشأه أو نشره أو مسؤولية كل شخص شارك في تداوله.
كيف يتصرف الشخص المتضرر؟
إذا اكتشف شخص مقطعًا مفبركًا يسيء إليه، فمن الأفضل أن يتحرك بهدوء، وألا يعيد نشره على نطاق أوسع بقصد نفيه، لأن ذلك قد يضاعف انتشاره. ويمكنه حفظ الأدلة المتاحة، ومنها رابط المنشور، واسم الحساب، وتاريخ النشر، ولقطات الشاشة، وأي رسائل مرتبطة بالواقعة.
ومن الخطوات العملية:
-
حفظ النسخة الأصلية من المنشور أو الرابط قبل حذفه.
-
توثيق الحسابات التي نشرت المقطع، مع عدم تعديل الصور أو التسجيلات.
-
تقديم بلاغ للمنصة لطلب مراجعة المحتوى وإزالته وفق قواعدها.
-
التوجه إلى الجهات المختصة إذا تضمن المقطع تهديدًا أو ابتزازًا أو اتهامات خطيرة أو انتهاكًا واضحًا للخصوصية.
-
استشارة محامٍ لتحديد المسار المناسب، خصوصًا إذا ترتب على المقطع ضرر مهني أو اجتماعي أو مالي.
وإذا كان المقطع مصحوبًا بطلب أموال مقابل حذفه أو التوقف عن نشره، فمن الأفضل عدم الاستجابة للتهديد بصورة متسرعة، والاحتفاظ بالرسائل والبيانات التي قد تساعد في التحقيق.
هل إعادة نشر الفيديو تجعل صاحبه مسؤولًا؟
قد تثير إعادة النشر مسؤولية بحسب ظروف الواقعة، وطبيعة المحتوى، ودور الشخص في نشره، ومدى علمه بأنه مفبرك أو مسيء. لذلك، فإن مشاركة مقطع غير موثوق لمجرد أنه مثير أو مضحك قد تؤدي إلى توسيع الضرر، حتى لو لم يكن الناشر هو من أنشأه.
ولا يعني ذلك أن كل مشاركة لمقطع مفبرك تؤدي تلقائيًا إلى مسؤولية جنائية؛ بل يجب فحص عناصر الفعل والقصد والظروف والأحكام القانونية ذات الصلة. لكن القاعدة العملية الآمنة هي عدم تقديم المحتوى المصطنع على أنه حقيقة مؤكدة، وعدم إعادة نشر ما ينتهك خصوصية شخص أو يسيء إليه من دون مبرر مشروع.
كيف يمكن الحد من مخاطر التزييف العميق؟
تساعد التوعية الرقمية على تقليل انتشار المقاطع المفبركة، خصوصًا عندما يتعلم المستخدم التحقق من مصدر الفيديو، ومقارنة المعلومات بمصادر مستقلة، والانتباه إلى الحسابات التي تنشر ادعاءات خطيرة من دون أدلة. كما ينبغي للمؤسسات وضع إجراءات للتعامل مع الانتحال الرقمي وحماية حساباتها وبياناتها.
أما على المستوى القانوني، فيجب التمييز بين حرية التعبير والإنتاج الفني من جهة، وبين الاستخدام الضار للتقنيات الذي قد ينتهك حقوق الآخرين من جهة أخرى. فالتقنية في ذاتها أداة، بينما يتوقف التقييم القانوني على كيفية استخدامها والنتائج التي ترتبت عليها.



