كشف علماء في معاهد غلادستون عن نهج مبتكر لعلاج الأمراض الوراثية يعتمد على الفيتامينات نفسها، بدلًا من البحث عن علاج منفصل لكل مرض على حدة. يقوم هذا النهج على تحديد الحالات التي يمكن أن تتحسن عند تناول جرعات عالية من مكمل غذائي محدد، ما يفتح الباب أمام علاجات آمنة، غير مكلفة، وقابلة للتطبيق على نطاق واسع.

نتائج بارزة

ركزت الدراسة على مرض وراثي قاتل يُعرف بـ نقص إنزيم NAXD، وهو مرض نادر يؤدي عادة إلى وفاة الأطفال خلال الأشهر الأولى من حياتهم نتيجة تراكم جزيئات الطاقة التالفة في الدماغ. التجارب على الفئران أظهرت أن إعطاء فيتامين B3 منذ الولادة أطال عمرها أكثر من 40 مرة، إذ عاشت حتى 300 يوم تقريبًا، مع اختفاء الأعراض بشكل شبه كامل. هذه النتائج لا تقتصر على مرض واحد، بل تشير أيضًا إلى عشرات الأمراض الوراثية الأخرى التي قد تستجيب لفيتامينات مثل B2 وB3، ما يعزز إمكانية تطوير علاجات بسيطة وفعالة لمجموعة واسعة من الحالات النادرة.

منهج علمي جديد

الباحثة إيشا جاين أوضحت أن الهدف هو إعادة تقييم دور الفيتامينات باستخدام أدوات علمية دقيقة، بحيث يتم تحديد المرض المناسب لكل نوع من الفيتامين بدلًا من تناول المكملات بلا خطة واضحة. الفريق اعتمد على تقنية CRISPR لتحرير الجينات وإزالة جينات معينة من خلايا بشرية، ثم اختبار استجابتها لمستويات عالية من الفيتامينات. هذا النهج سمح للعلماء بمحاكاة أمراض وراثية مختلفة داخل المختبر، ورصد الحالات التي يمكن أن تتحسن بفضل الفيتامينات.

تجربة على الفئران

عند إزالة جين NAXD، بدت الفئران طبيعية عند الولادة لكنها تدهورت سريعًا ونفقت خلال أيام. بعد إعطائها جرعات عالية من فيتامين B3 يوميًا، تغيرت الصورة جذريًا؛ إذ عاشت حتى قرابة 300 يوم، وعادت مستويات الطاقة الحيوية مثل NADH والسيرين إلى طبيعتها، مع اختفاء الأعراض العصبية. الباحث أنكور غارغ أكد أن الدراسة أثبتت أن “شيئًا بسيطًا مثل فيتامين B3 قد يحدث فرقًا كبيرًا في حياة المرضى”، مشيرًا إلى أن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام حلول علاجية غير متوقعة.

الأمل للأطفال

تشير النتائج إلى أن العلاج بفيتامين B3 يمكن أن يعالج السبب الجذري للمرض، شرط البدء به منذ الولادة. جاين شددت على أهمية إدراج نقص هذا الفيتامين في فحوصات حديثي الولادة، مؤكدة أن التشخيص المبكر والعلاج الفوري قد ينقذ أرواح الأطفال. هذا التوجه يعيد إلى الأذهان بدايات القرن العشرين، حين اكتشف العلماء أن أمراضًا مثل الإسقربوط (نقص فيتامين C) والبري بري (نقص فيتامين B1) يمكن علاجها بفيتامينات محددة، وهو ما منح البشرية أولى الجوائز العلمية الكبرى في مجال الطب.

آفاق مستقبلية

الدراسة لا تقتصر على تقديم علاج محتمل لمرض واحد، بل تمثل نموذجًا جديدًا في التعامل مع الأمراض الوراثية النادرة. إذا تم تطوير هذا النهج بشكل أوسع، فقد يصبح من الممكن إنقاذ حياة عشرات الأطفال حول العالم عبر علاجات بسيطة تعتمد على مكملات غذائية متاحة، بدلًا من الاعتماد على أدوية معقدة أو باهظة الثمن.