
تحت سماء مثقلة بغبار الحرب، وبين طبقات الخرسانة المنهارة، ينسج أطفال قطاع غزة حكاية صمود تليق بوجع المكان وقدسية الزمان. لا جدران تؤويهم ولا أسقف تحمي موائد إفطارهم، ومع ذلك ترفض قلوبهم الاستسلام. في الصور، تتحدى فوانيسهم الصغيرة عتمة الركام، وتنبض الأسواق بالحياة على حافة الخطر، كأن بهجة رمضان تُنتزع انتزاعًا من بين أنياب الألم.
لم يصل شهر رمضان هذا العام إلى غزة محمولًا على أجنحة الفرح المعتادة، بل جاء مثقلاً بآثار القصف ورائحة الغبار. تبدلت ملامح الشوارع، وتكسرت ذاكرة البيوت، لكن الأهالي -وفي مقدمتهم الأطفال- يتمسكون بطقوس الشهر كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة. هنا، تتحول التفاصيل الصغيرة: فانوس، تمرات، دعاء قبل الإفطار، إلى إعلان يومي بأن الحياة ما زالت ممكنة رغم كل شيء.
في مشهد يخطف الأنفاس، يتجاور الخطر والحياة بلا حواجز. مبانٍ متصدعة تميل فوق رؤوس المارة، وطوابق متراكمة كأنها على وشك السقوط، بينما تمضي الحركة في الأسفل بلا توقف. بسطات بسيطة، مظلات مهترئة، ووجوه متعبة تبحث عن قوت يومها. لا أحد يلتفت إلى السقف المهدد فوقه بقدر ما يلتفت إلى ما يمكن أن يسد به جوع أطفاله قبل أذان المغرب.
وفي الأزقة التي نجت جزئيًا من الدمار، تولد ملامح رمضان من جديد. فوانيس قماشية وزينة ملونة تتدلى بإصرار، تكسر سطوة الرماد الذي يغطي كل شيء. أمام أوعية المخللات والتوابل والزيتون، تقف نساء غزة يفتشن عن نكهة تعيد لذاكرة البيوت شيئًا من دفئها. الباعة يرتبون بضائعهم بعناية تشبه التحدي، كأن الأسواق لم تعد مجرد أماكن للبيع، بل مساحات مقاومة تحفظ ما تبقى من الروح.
أما الفانوس -أيقونة الشهر- فيتحول في أيدي الأطفال إلى رسالة نور. طفل يسير بحذر فوق الركام ممسكًا بفانوسه كأنه يحرس شعلة الحياة، وآخر يقف عند الغسق على تلة من الأنقاض، يتوهج الضوء في يده بينما تلوح خلفه مئذنة مسجد مثخنة بالجراح. مشاهد صامتة تختصر حكاية جيل يبحث عن طفولته بين الحجارة، ويصنع من الضوء دليلًا لخطواته المرتجفة.
ومع اقتراب أذان المغرب، يتكشف المعنى القاسي لفقدان البيت. عائلات تفترش الأرض إلى جوار أنقاض بيوتها، تتقاسم وجبات بسيطة تحت سماء مفتوحة بلا حماية. أب وأم يضمان أطفالهما حول أطباق قليلة، يحاولان أن يمنحاهُم شعور العائلة رغم العراء. حتى الصغيرات يشاركن في صنع الأجواء؛ يحملن أطباقًا متواضعة وفانوسًا أحمر، وكأنهن يعلنَّ أن التكافل يمكن أن ينبت حتى في أرض مجروحة.
الصور القادمة من غزة هذا العام ليست مجرد توثيق للمأساة، بل شهادة إنسانية على قدرة الإنسان على التشبث بالحياة. أطفال غزة لا يعيشون رمضان كما يعرفه العالم، بل يخوضون كل يوم معركة صغيرة من أجل الفرح والصيام واللعب. بين حجر ساقط وفانوس مضاء، يولد معنى الصمود الحقيقي: أن تبقى الروح قادرة على إشعال الضوء، انتظارًا لفجر يمحو هذا الركام ويعيد للمدينة وجهها الذي تعرفه.
