فرنسا تستعد لموجة احتجاجات جديدة.. 70 ألف شرطي لمواجهة الغضب من المعيشة والخدمات
تستعد فرنسا ليوم جديد من الاحتجاجات الواسعة، وسط تصاعد الغضب الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى بعض الخدمات العامة وأزمة التعليم، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطًا مالية تحد من قدرتها على تقديم تعهدات بزيادة الإنفاق. وأعلنت السلطات نشر نحو 70 ألف شرطي لتأمين التحركات المقررة يوم السبت 31 أكتوبر 2026، بعد أعمال شغب ونهب شهدتها مدن فرنسية قبل أسبوعين وألحقت أضرارًا بالمحال والمنشآت العامة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع فيه موجة الاحتجاجات داخل أوروبا، حيث لم تعد المطالب محصورة في ملف واحد، بل امتدت إلى الأجور والسكن والتعليم والخدمات الصحية وارتفاع أسعار الوقود. كما تضع التحركات الحكومة الفرنسية أمام تحدي التعامل مع مطالب اجتماعية متراكمة، مع الحفاظ على النظام العام وضمان حق المواطنين في التظاهر السلمي.
لماذا تستعد فرنسا لاحتجاجات جديدة؟
قال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن السلطات تتعامل مع يوم الاحتجاجات باعتباره عالي المخاطر، مؤكدًا الاستعداد للرد بحزم على أي أعمال عنف أو تخريب. ويأتي هذا التحذير بعد موجة اضطرابات سابقة شهدت نهب متاجر وإلحاق أضرار بمبانٍ عامة ومنشآت تجارية، وهو ما دفع الحكومة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية.
وتتخوف السلطات كذلك من استخدام بعض المشاركين أقنعة أو أغطية للوجه لإخفاء هوياتهم خلال الاحتجاجات، خصوصًا مع تزامن التحركات مع احتفالات الهالوين. وأشار وزير الداخلية إلى أن القوانين القائمة تسمح للشرطة بمنع تغطية الوجه عندما يكون النظام العام معرضًا للخطر، وفق الشروط القانونية المعمول بها.
لكن انتشار قوات الشرطة لا يعالج وحده أسباب الاحتجاجات؛ فالمطالب ترتبط بمشكلات اقتصادية واجتماعية تحتاج إلى حلول طويلة الأجل، وهو ما يجعل التعامل مع الأزمة أكثر تعقيدًا من مجرد تأمين الشوارع.
أزمة المعيشة والتعليم في قلب الغضب الشعبي
بدأت الاحتجاجات في أواخر سبتمبر مع تصاعد النقاش حول موازنة عام 2027، ثم انضمت إليها مجموعات طلابية ونقابات عمالية وحركات احتجاجية. ويعترض طلاب على تدهور حالة عدد من المدارس وازدحام الفصول، إلى جانب انتقادات لنظام القبول الجامعي الذي يرى بعض المحتجين أنه لا يوفر فرصًا متكافئة.
كما عادت حركة السترات الصفراء إلى الواجهة ضمن المطالب المرتبطة بتكلفة المعيشة وأسعار الوقود، في مؤشر على استمرار الضغوط التي يشعر بها جزء من الفرنسيين رغم اختلاف السياق عن موجات الاحتجاج السابقة.
وتتداخل هذه المطالب مع ارتفاع تكاليف السكن والخدمات، والقلق من قدرة الأسر على تحمل نفقات الحياة اليومية. وعندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع تراجع الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة، يصبح الاحتجاج وسيلة للتعبير عن الغضب، وقد تتسع المشاركة لتشمل فئات لا ترتبط عادة بحركة واحدة.
كيف تقيد أزمة الدين قدرة الحكومة؟
تواجه الحكومة الفرنسية ضغوطًا مرتبطة بارتفاع الدين العام واقترابه من 120% من الناتج الاقتصادي، إلى جانب زيادة تكلفة الاقتراض. وتؤدي هذه الظروف إلى تضييق مساحة المناورة أمام الحكومة عند إعداد الموازنة، لأنها تحتاج إلى الموازنة بين تمويل الخدمات والإنفاق الاجتماعي وبين الحد من العجز وتكاليف خدمة الدين.
وتنعكس هذه المعادلة على النقاش السياسي؛ فالمواطنون يطالبون بتحسين التعليم والخدمات وتخفيف أعباء المعيشة، بينما تواجه الحكومة قيودًا مالية تجعل تلبية جميع المطالب في وقت واحد أمرًا صعبًا.
ولا يعني ذلك أن الضغوط المالية تفسر وحدها كل أسباب الاحتجاجات، لكنها تمثل أحد العوامل التي تؤثر في قدرة الحكومة على تقديم تنازلات أو إطلاق برامج إنفاق واسعة. كما أن أي قرارات تتعلق بخفض الإنفاق قد تثير اعتراضات جديدة إذا شعر المواطنون بأنها تمس الخدمات الأساسية.
خسائر اقتصادية تتجاوز أضرار المتاجر
قدرت غرفة التجارة الفرنسية خسائر قطاع التجزئة بأكثر من مليار يورو نتيجة الاضطرابات، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن الرقم قد يتضاعف عند احتساب الأضرار غير المؤمن عليها والإيرادات التي فقدتها الشركات خلال فترات الإغلاق أو تراجع حركة الشراء.
وتتأثر الأنشطة التجارية بعدة طرق؛ فبعض المتاجر تضطر إلى إغلاق أبوابها مؤقتًا، بينما تتحمل منشآت أخرى تكلفة إصلاح الواجهات والمعدات أو زيادة الإنفاق على الحماية. كما قد يتراجع إقبال المستهلكين على مناطق التسوق التي تشهد اضطرابات، وهو ما يضر بالمطاعم والخدمات والشركات الصغيرة.
وتظهر هذه الخسائر أن الاحتجاجات العنيفة لا تؤثر فقط في الممتلكات التي تتعرض للتخريب، بل قد تمتد آثارها إلى العمال وأصحاب الأعمال والموردين والاقتصاد المحلي. وفي المقابل، يجب التمييز بين الأضرار الناتجة عن أعمال العنف وبين التظاهر السلمي الذي تكفله القواعد القانونية.
مشروع قانون لتعويض الأضرار يثير جدلًا
تدفع الحكومة باتجاه مشروع قانون يجعل المشاركين في أعمال الشغب مسؤولين عن تعويض الأضرار، وقد تصل قيمة التعويض إلى 10 آلاف يورو، وفق ما نقلته رويترز. ويثير المقترح جدلًا بشأن حدود المسؤولية الفردية والجماعية، خاصة أن منظمات حقوقية وبعض المحامين يرون أن الصياغة قد تؤثر في الحق في التظاهر السلمي إذا لم تكن المسؤولية محددة على أساس أدلة واضحة.
وتكمن حساسية الملف في ضرورة الفصل بين الشخص الذي يشارك في أعمال تخريب مثبتة، وبين من يشارك في تجمع سلمي لا يرتكب مخالفة. كما أن تحميل شخص مسؤولية أضرار ارتكبها آخرون يتطلب ضوابط قانونية دقيقة تضمن عدم التوسع في المسؤولية دون إثبات.
هل تمتد الاحتجاجات إلى دول أوروبية أخرى؟
أشارت التقارير إلى أن التحركات الفرنسية ألهمت احتجاجات شبابية في دول أوروبية أخرى، مع تنظيم مظاهرات في أكثر من 30 مدينة ألمانية يوم السبت. وتأتي هذه التحركات في سياق موجة أوسع من الاعتراضات على تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأزمة السكن.
وتتباين أسباب الاحتجاج من دولة إلى أخرى؛ ففي بعض الدول تتركز المطالب على الأجور، وفي أخرى على السكن أو التعليم أو الفساد أو الإنفاق العسكري. لكن القاسم المشترك هو شعور قطاعات من السكان بأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا تتحسن بالسرعة التي يحتاجون إليها.
ما السيناريوهات المحتملة؟
يعتمد مسار الأزمة على قدرة الحكومة على احتواء الاحتجاجات دون تصعيد أمني واسع، وعلى استعدادها لتقديم حلول عملية بشأن التعليم والوقود والخدمات العامة. وقد تنجح الإجراءات الأمنية في منع أعمال التخريب، لكنها لن تنهي أسباب الغضب إذا بقيت المشكلات المعيشية دون معالجة.
كما أن استمرار الاحتجاجات قد يزيد الضغوط على المشهد السياسي الفرنسي، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ويمنح الأحزاب والقوى المعارضة فرصة لاستثمار حالة الاستياء الشعبي.
وفي النهاية، تواجه فرنسا معادلة صعبة بين ضبط الأمن والاستجابة للمطالب الاجتماعية، بينما تظل تكلفة المعيشة والدين العام وجودة الخدمات من أبرز الملفات التي ستحدد شكل النقاش السياسي خلال الفترة المقبلة.



