
تزيد موجات الحر والجفاف من مخاطر الهبوط الأرضي في بريطانيا، خصوصًا في لندن وجنوب شرق البلاد، حيث تظهر تشققات في بعض المنازل بعد فترات طويلة من الطقس الحار وانعدام الأمطار، وسط استعداد شركات التأمين وخبراء البناء لمسار متزايد من المطالبات.
علامات مبكرة
وأفادت صحيفة “ذا تليجراف” البريطانية بأن أصحاب المنازل بدأوا بالفعل في تبادل الصور والنصائح عبر الإنترنت بشأن التشققات الجديدة، بينما يحذر المتخصصون من أن ما يظهر حاليًا قد يكون مقدمة لمزيد من أضرار الهبوط الأرضي، بعد أسابيع من الطقس الجاف والحار.
قد تبدأ المشكلة بشق صغير قرب باب أو نافذة أو في الفناء، لكنها قد تشير إلى حركة أكبر تحت أساسات المنزل، ويواجه آلاف أصحاب المنازل، خصوصاً في لندن وجنوب شرق البلاد، مخاطر أضرار أكثر تكلفة بعد موجات الحر التي شهدها الصيف.
ويستعد خبراء التأمين ومساحو المباني ومطورو العقارات وغيرهم من المتخصصين في القطاع لموجة من مطالبات التعويض عن الهبوط الأرضي، بعد أسابيع من الطقس الجاف والحار بلا انقطاع.
ولجأ أصحاب المنازل القلقون إلى الإنترنت لتبادل الصور والنصائح، وكشف أحد المنتديات عن سلسلة من الشكاوى.
الهبوط الأرضي
قال سول همفري، رئيس المعهد المعتمد للبناء، إن ما يحدث يمثل “غيضًا من فيض”، متوقعًا مزيدًا من الهبوط الأرضي والمطالبات نتيجة استمرار الطقس الحار والجاف، مشيرًا إلى وجود أدلة بالفعل على ظهور هذه المشكلة.
وبحسب البيانات التي نشرتها هذا الشهر جمعية شركات التأمين البريطانية، دفعت شركات التأمين 72 مليون جنيه إسترليني تعويضات عن هبوط الأرض في المنازل خلال الربيع الأكثر سخونة على الإطلاق في إنجلترا وويلز.
وارتفعت التعويضات بين أبريل ويونيو من 60 مليون جنيه إسترليني في الفترة نفسها من العام الماضي، فيما بلغ متوسط المطالبة عن الهبوط الأرضي مستوى قياسياً عند 20 ألف جنيه إسترليني، بزيادة ألفي جنيه عن العام السابق.
وقال شون وورال، نائب رئيس قسم التأمين في جمعية وسطاء التأمين البريطانية، إن القطاع قد يواجه “زيادة مزدوجة” في المطالبات، بينما لا تزال خسائر كثيرة ناجمة عن هبوط الأرض في عام 2025 قيد المعالجة.
تربة قابلة للانكماش
وفق جمعية شركات التأمين البريطانية، دُفع نحو 297 مليون جنيه إسترليني تعويضات عن الهبوط الأرضي خلال العام الماضي، بزيادة 6% عن العام السابق و89% مقارنة بعام 2022. وكان عام 2025 شهد قبل ذلك أدفأ ربيع مسجل وأكثر ربيع جفافًا منذ أكثر من 50 عامًا.
وتُبنى منازل كثيرة في أنحاء بريطانيا فوق تربة طينية قابلة للانكماش والتمدد، وتنكمش هذه التربة خلال الطقس الجاف، ثم تتمدد عند البلل، ما يمكن أن يؤدي إلى حركة تحت أساسات المنازل.
وصفت هيئة المسح الجيولوجي البريطانية هذه الحركات “الانكماشية والتمددية” بأنها واحدة من “أكثر المخاطر الجيولوجية ضررًا” في بريطانيا، بعدما تسببت ظروف مماثلة في ارتفاع المطالبات خلال موجات حر سابقة.
وفي عام 2018، ومع استمرار موجة الحر الصيفية 23 يومًا، قدمت أكثر من 10 آلاف أسرة مطالبات عن الهبوط الأرضي بين يوليو وسبتمبر، وهو أعلى رقم منذ أكثر من عقد وفق شركات التأمين آنذاك. وفي 2022، تجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية في مناطق عدة، وأعقبت موجة الحر 18 ألفًا من أصل 23 ألف مطالبة خلال العام.
شجرة البلوط
تتركز المناطق الأكثر عرضة لانكماش التربة تحت الأرض بصورة رئيسية في لندن وجنوب شرق البلاد، حيث تكون التكوينات الطينية حديثة جدًا ولم تتحول إلى صخور، على خلاف مناطق أخرى من المملكة المتحدة، ومنها الأراضي الواقعة أسفل سهل لانكشاير.
وتزيد الأشجار الناضجة المخاطر، إذ قال جاري سترونج، كبير المستشارين في المعهد الملكي للمساحين المعتمدين، إن شجرة بلوط كبيرة يمكنها سحب ما يصل إلى 100 جالون من الماء يوميًا، ما يزيد جفاف التربة المحيطة.
وتكون المنازل القديمة، التي شُيدت عادة فوق أساسات أقل عمقًا، أكثر عرضة للخطر. وقال سترونج إن الطين يمكن أن يجف خلال فترات الجفاف الطويلة، كما حدث خلال نحو 50 يومًا من موجات الحر وانعدام الأمطار، ما يؤدي إلى “تحرك الأساسات التي تدعم المنازل إلى الأسفل”.
تشققات مقلقة
وتوصي جمعية صناعة البناء الأمريكية بإجراء اختبار 10 بنسات، لمعرفة ما إذا كان الشق أعرض من عملة 10 بنسات، أي نحو 3 مليمترات، لتحديد ما إذا كان يحتاج إلى مزيد من الفحص.
ومن علامات التحذير التشققات المائلة التي تكون أعرض في الأعلى من الأسفل، أو التي تظهر حول الأبواب والنوافذ، إضافة إلى صعوبة فتح الأبواب والنوافذ وإغلاقها بشكل مفاجئ، وتمزق ورق الجدران أو تجعده في أماكن لا توجد فيها رطوبة.
حثّ كريس بوس، مدير التأمين العام في جمعية التأمين البريطانية، أصحاب المنازل على عدم تجاهل التشققات المثيرة للشك، وقال إن متوسط المدفوعات القياسية لتعويضات الهبوط الأرضي يوضح التأثير المتزايد للطقس المتطرف على المجتمعات في أنحاء المملكة المتحدة.
4.2 مليون منزل
تتوقع هيئة المسح الجيولوجي البريطانية أنه بحلول عام 2070 سيكون أكثر من 4.2 مليون منزل في المملكة المتحدة معرضًا لخطر الضرر الناتج عن الهبوط المرتبط بتغير المناخ، ما يضع المشكلة ضمن تحديات البناء على المدى الطويل.
ويرى همفري، من المعهد المعتمد للبناء، أن مصدر القلق يتمثل في أن كثيرًا من المباني البريطانية صُممت لتناسب مناخًا أكثر برودة ورطوبة، بينما تتغير الظروف المناخية التي بُنيت هذه المنازل على أساسها.
ومع زيادة عدد المنازل المقامة على أراضٍ متضررة وبجوار أنابيب مياه قديمة، يتعين على المملكة المتحدة الاستعداد للبناء في مناخ يصبح فيه الهبوط الأرضي أكثر شيوعًا.
