عدم دستورية الحجز الإداري للجمعيات التعاونية الإنتاجية.. كيف يحصل الدائن على مستحقاته بعد الحكم؟
تعرف على حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية منح الجمعيات التعاونية الإنتاجية سلطة تحصيل مستحقاتها بالحجز الإداري، وما البدائل القانونية لتحصيل الديون.
أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكمًا مهمًا في الدعوى رقم 47 لسنة 46 قضائية دستورية، قضت فيه بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة 45 من قانون التعاون الإنتاجي الصادر بالقانون رقم 110 لسنة 1975، كما قضت بسقوط الفقرة الخامسة من المادة نفسها. ويتعلق الحكم بمدى جواز منح الجمعيات التعاونية الإنتاجية سلطة تحصيل الأموال المستحقة لها عن طريق الحجز الإداري، وهي وسيلة استثنائية ترتبط في الأصل بتحصيل الأموال العامة وفقًا للقانون.
ويثير الحكم أهمية قانونية تتجاوز نشاط الجمعيات التعاونية وحده، لأنه يوضح الحدود الفاصلة بين أموال الأشخاص الاعتبارية الخاصة وبين الأموال العامة، ويؤكد أن منح جهة خاصة امتيازًا في التحصيل الجبري يحتاج إلى سند دستوري واضح ومبرر يتفق مع طبيعة الأموال والجهة صاحبة الحق.
ما النص الذي قضت المحكمة بعدم دستوريته؟
تعلّق الحكم بالفقرة الرابعة من المادة 45 من قانون التعاون الإنتاجي رقم 110 لسنة 1975، التي كانت تمنح الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية إمكانية تحصيل الأموال المستحقة لها بطريق الحجز الإداري.
كما قضت المحكمة بسقوط الفقرة الخامسة من المادة نفسها، وفق ما ورد في منطوق الحكم. ويجب التمييز بين الفقرتين محل القضاء وبين باقي أحكام قانون التعاون الإنتاجي، لأن الحكم لم يلغ القانون بالكامل، وإنما تناول النصوص التي حددها.
وقد استندت المحكمة في قضائها إلى طبيعة الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية باعتبارها من أشخاص القانون الخاص، وأن الأموال التي تملكها هي أموال تعاونية خاصة وليست أموالًا عامة.
لماذا اعتبرت المحكمة الحجز الإداري مخالفًا للدستور؟
أوضحت المحكمة أن الجمعيات التعاونية الإنتاجية الأساسية تتمتع بطبيعة قانونية خاصة، وأن أموالها لا تتحول إلى أموال عامة لمجرد أنها تخضع لتنظيم قانوني أو تؤدي نشاطًا ذا طابع تعاوني.
ومن ثم فإن منحها سلطة تحصيل مستحقاتها بالحجز الإداري يضعها في مركز قانوني متميز عن غيرها من أشخاص القانون الخاص، ويمنحها وسيلة استثنائية في اقتضاء الحقوق لا تتفق مع طبيعة أموالها، بحسب ما انتهى إليه الحكم.
وتكمن أهمية هذا التفسير في أن الحجز الإداري ليس مجرد إجراء عادي لتحصيل الديون، بل يمثل سلطة استثنائية تسمح باتخاذ إجراءات تنفيذية على أموال المدين وفق ضوابط خاصة، دون المرور ابتداءً بجميع مراحل التنفيذ القضائي المعتادة.
ولهذا فإن منح هذه السلطة لا يجوز أن يتم دون مراعاة طبيعة الجهة التي تستفيد منها وطبيعة الأموال التي يتم تحصيلها.
هل أصبحت الجمعيات التعاونية غير قادرة على تحصيل ديونها؟
لا. الحكم لا يسقط أصل حق الجمعيات في تحصيل الأموال المستحقة لها، وإنما يقضي بعدم دستورية استخدام وسيلة الحجز الإداري في الحدود التي تناولها النص.
فإذا كان للجمعية دين ثابت في ذمة عضو أو متعامل أو مدين آخر، فإن أصل المطالبة يظل قائمًا وفق العقد أو المستند أو الأساس القانوني الذي نشأ عنه الدين. لكن الجمعية يتعين عليها استخدام الوسائل القانونية المعتادة لتحصيله، بحسب طبيعة العلاقة والمستندات المتاحة.
وقد يكون الطريق هو المطالبة الودية، أو الإنذار، أو إقامة دعوى قضائية للحصول على حكم بالدين، ثم اتخاذ إجراءات التنفيذ وفق قانون المرافعات بعد توافر السند التنفيذي. ويختلف المسار بحسب ما إذا كان الدين ثابتًا بمحرر أو عقد أو حكم أو سند قابل للتنفيذ.
ما الفرق بين الحجز الإداري والتنفيذ القضائي؟
الحجز الإداري وسيلة استثنائية لتحصيل بعض الأموال التي يجيز القانون تحصيلها بهذه الطريقة، وتستخدمها جهات محددة وفق نصوص خاصة. أما التنفيذ القضائي فيرتبط بوجود سند تنفيذي، مثل حكم واجب التنفيذ أو محرر يتمتع بالقوة التنفيذية وفق القانون.
وفي التنفيذ القضائي، يخضع الدائن لإجراءات قانونية محددة تضمن إخطار المدين وتمكينه من استعمال وسائل الدفاع والطعن المقررة، مع مراعاة الضوابط التي تحكم الحجز على الأموال وبيعها وتوزيع حصيلتها.
والفرق هنا لا يعني أن كل حجز إداري غير دستوري، بل إن الحكم يتعلق بمنح الجمعيات التعاونية الإنتاجية سلطة معينة، وقد رأت المحكمة أن هذا الامتياز لا يتفق مع طبيعة تلك الجمعيات وأموالها.
هل يسري الحكم على جميع الجمعيات التعاونية؟
ينبغي الالتزام بنطاق النص الذي فصلت فيه المحكمة، وهو المادة 45 من قانون التعاون الإنتاجي رقم 110 لسنة 1975 والفقرتان اللتان تناولهما الحكم. ولا يجوز اعتبار الحكم إلغاءً عامًا لكل سلطات التحصيل أو الحجز التي قد تتمتع بها جهات أخرى بموجب قوانين مختلفة.
فبعض الجهات قد تكون لها طبيعة عامة أو اختصاصات قانونية محددة تتيح لها تحصيل مستحقات معينة بوسائل استثنائية. ويجب فحص كل حالة وفق النص الذي يمنح السلطة وطبيعة الجهة والأموال محل التحصيل.
كما أن الجمعيات التعاونية تختلف في أنواعها وأغراضها والقوانين المنظمة لها، ولا يجوز الخلط بين الجمعيات الإنتاجية وغيرها من الجمعيات التي تخضع لتشريعات مختلفة.
ما أثر الحكم على إجراءات الحجز التي بدأت قبل صدوره؟
هذه المسألة تحتاج إلى فحص تاريخ الإجراءات وطبيعة السند الذي استند إليه الحجز، ومدى استقرار المركز القانوني، وما إذا كانت هناك منازعة قضائية قائمة أو حكم نهائي صدر في شأنها.
فأحكام المحكمة الدستورية العليا لها حجية ملزمة، ويحدد قانون المحكمة آثار الحكم بعدم الدستورية، لكن لا يصح القول إن كل إجراء سابق أصبح منعدمًا تلقائيًا دون مراجعة ظروفه والقواعد التي تحكم أثر الحكم زمنيًا.
وعلى الجمعية أو المدين الذي تأثر بإجراء حجز سابق مراجعة المستندات، وتحديد ما إذا كان الإجراء قد استند مباشرة إلى النص المقضي بعدم دستوريته، وما إذا كانت هناك طرق قانونية متاحة للاعتراض أو طلب وقف التنفيذ أو استرداد الأموال.
كيف تحمي الجمعية حقوقها بعد الحكم؟
ينبغي للجمعيات مراجعة العقود والمستحقات والديون القائمة، وتحديد المستندات التي تثبت حقها، ثم استخدام وسائل المطالبة القانونية المناسبة. كما يجب تحديث النماذج والإجراءات الداخلية حتى لا تستمر في إرسال إخطارات أو اتخاذ إجراءات تستند إلى سلطة الحجز الإداري التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها.
ومن الأفضل أيضًا وضع نظام واضح لمتابعة الديون، يبدأ بالتسوية الودية، ثم المطالبة الرسمية، ثم اللجوء إلى القضاء عند الحاجة، مع مراعاة مواعيد التقادم والإثبات والاختصاص.
الخلاصة القانونية
قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة 45 من قانون التعاون الإنتاجي رقم 110 لسنة 1975، وبسقوط الفقرة الخامسة، فيما يتعلق بمنح الجمعيات التعاونية الإنتاجية سلطة تحصيل مستحقاتها بالحجز الإداري. ولا يعني الحكم إسقاط الديون أو إلغاء حق الجمعيات في المطالبة بها، وإنما يلزمها باستخدام طرق التحصيل القانونية المعتادة بدلًا من الوسيلة الاستثنائية التي أبطلتها المحكمة.



