طفرة مراكز البيانات تضع الكهرباء والمياه تحت الضغط في جنوب شرق آسيا
تواجه دول جنوب شرق آسيا تحديات متزايدة مع تسارع التوسع في مراكز البيانات، مدفوعًا بالاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي، بعدما بدأت المشاريع الجديدة تفرض ضغوطًا على موارد أساسية، من بينها الكهرباء والمياه والأراضي، إلى جانب قدرة الجهات التنظيمية على مواكبة سرعة نمو القطاع.
ويطرح هذا التوسع تساؤلات متزايدة حول قدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات التكنولوجية الضخمة والحفاظ على الموارد وضمان استفادة الاقتصادات المحلية من هذه المشاريع على المدى الطويل.
طفرة الاستثمارات تتجاوز قدرة التنظيم
ويرى باحثون في السياسات والاقتصاد السياسي أن دول المنطقة كانت تملك أسبابًا قوية للمنافسة على استثمارات مراكز البيانات، نظرًا لما توفره من تمويل للبنية التحتية الرقمية ودعم لقدرات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
لكن سرعة التوسع كشفت في بعض الحالات عن فجوة بين نمو القطاع وقدرة القواعد التنظيمية على مواكبته، ما دفع حكومات إلى إعادة تقييم عدد من المشاريع وشروط تنفيذها.
إندونيسيا وتايلاند تعيدان النظر في المشاريع
وفي إندونيسيا، توقفت أعمال إنشاء موقع تابع لشركة “BDx Data Centres” في جاوة الغربية، وسط تقارير عن عدم استكمال بعض التصاريح المطلوبة.
أما في تايلاند، فأوقفت السلطات أعمال 166 مشروعًا لمراكز البيانات، بالتزامن مع إعداد معايير وطنية جديدة تتعلق باستخدام الموارد، واختيار المواقع، ومتطلبات السلامة، إلى جانب العوائد الاقتصادية المتوقعة.
ويرى خبراء أن تباطؤ بعض المشاريع قد يمنح الحكومات فرصة لإعادة تقييم الاستثمارات والتأكد من قدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية أكبر.
الكهرباء والمياه تتحولان إلى تحدٍ رئيسي
وتتمثل المفارقة في أن بعض المزايا التي ساعدت دول جنوب شرق آسيا على جذب شركات مراكز البيانات، مثل انخفاض تكلفة الأراضي والطاقة والمياه، بدأت تتحول إلى مصادر ضغط مع ارتفاع عدد المشاريع.
ويبرز إقليم جوهور الماليزي مثالًا على ذلك، إذ اجتذب استثمارات كبيرة بفضل انخفاض تكاليف الموارد، قبل أن تصبح السلطات أكثر انتقائية في التعامل مع المشاريع الجديدة نتيجة تنامي الطلب على الكهرباء والمياه.
مطالب بزيادة مكاسب الدول المضيفة
ومع تزايد المنافسة على الموارد، يرى اقتصاديون أن الحكومات باتت في موقع يسمح لها بفرض شروط أكثر صرامة على المستثمرين، مثل الاعتماد بصورة أكبر على الطاقة المتجددة، وزيادة المشتريات من الشركات المحلية، ونقل التكنولوجيا، والمساهمة في تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي داخل الدول المضيفة.
وتعكس هذه المطالب تحولًا في طريقة تعامل حكومات المنطقة مع قطاع مراكز البيانات، من مجرد استقطاب الاستثمارات إلى السعي للحصول على فوائد اقتصادية وتكنولوجية أوسع منها.
اعتراضات محلية على مشروعات مراكز البيانات
ولم تقتصر التحديات على الجهات الحكومية، إذ بدأت اعتراضات شعبية تظهر في بعض المناطق التي تستضيف أو تستعد لاستقبال هذه المشاريع.
وفي ماليزيا، واجه مشروع محتمل لمركز بيانات نحو 300 اعتراض، بينما انسحب مستثمر نرويجي من مشروع لمركز بيانات مخصص للذكاء الاصطناعي في الفلبين بعد احتجاجات من سكان ومزارعين.
وتثير هذه التطورات تساؤلات حول مدى قدرة الطلب على خدمات مراكز البيانات على تبرير حجم الاستثمارات، ومن سيتحمل تكلفة التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عندما تتنافس مشاريع عديدة على موارد الكهرباء والمياه والأراضي نفسها.
التنظيم الواضح مفتاح المنافسة
ويرى خبراء أن مستقبل قدرة جنوب شرق آسيا على جذب الاستثمارات الرقمية لن يعتمد فقط على انخفاض تكلفة الموارد أو مرونة القواعد التنظيمية، بل أيضًا على وجود أنظمة واضحة ومتسقة يمكن للمستثمرين التنبؤ بها.
ومع استمرار التوسع في مراكز البيانات، تبدو الحكومات أمام معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين جذب الاستثمارات التكنولوجية والحفاظ على الموارد وضمان تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة للمجتمعات والدول المضيفة.



