حقق حزب “العقد المدني” الحاكم بقيادة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، فوزًا في الانتخابات البرلمانية، التي جرت الأحد، في نتيجة تعكس استمرار توجه يريفان نحو تنويع تحالفاتها الخارجية وتقليص اعتمادها التقليدي على روسيا، وسط تصاعد التنافس بين موسكو والغرب على النفوذ في منطقة جنوب القوقاز.

وجاءت الانتخابات في وقت تشهد فيه أرمينيا تحولات سياسية وإستراتيجية كبيرة، منذ خسارة السيطرة على إقليم ناجورنو كاراباخ عام 2023، إذ تبنى باشينيان سياسة تقوم على تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بالتوازي مع السعي إلى إبرام اتفاق سلام شامل مع أذربيجان وإنهاء عقود من الصراع بين البلدين. وبحسب شبكة CNN، اعتُبرت الانتخابات اختبارًا لمستقبل هذا التوجه ومدى قبول الناخبين له في ظل الضغوط الروسية المتزايدة.

فوز انتخابي

أظهرت النتائج الأولية حصول حزب “العقد المدني” على نحو 49.8% من الأصوات، ما يضمن له أغلبية مريحة في البرلمان الجديد، بينما جاء تحالف المعارضة الرئيسي بقيادة رجل الأعمال سامفيل كارابيتيان في المرتبة الثانية بفارق كبير.

وأعلن باشينيان فوزه بعد ظهور النتائج الأولية، إلا أن التوزيع النهائي للمقاعد في البرلمان لا يزال غير واضح، تحتاج الأحزاب الصغيرة إلى تجاوز عتبة 4% للفوز بمقاعد، ولا يبدو في هذه المرحلة أن باشينيان سيحصل على الأغلبية الدستورية البالغة ثلثي الأصوات اللازمة لتمرير أكثر بنود برنامجه طموحًا.

وعزز هذا الفوز موقع باشينيان السياسي بعد سنوات من الانتقادات، التي واجهها على خلفية الحرب مع أذربيجان وخسارة ناجورنو كاراباخ، في الوقت نفسه منح الحكومة تفويضًا جديدًا لمواصلة برنامجها القائم على إعادة صياغة علاقات أرمينيا الخارجية وتطوير شراكاتها مع القوى الغربية.

وقال باشينيان، خلال حملته الانتخابية، إن بلاده تحتاج إلى اتباع سياسة أكثر استقلالية وتوازنًا، مؤكدًا أن أمن أرمينيا ومستقبلها الاقتصادي يتطلبان تنويع الشراكات وعدم الاعتماد على طرف واحد فقط.

غضب روسي

أثار التحول الأرميني نحو الغرب استياءً متزايدًا في موسكو، التي تعتبر جنوب القوقاز جزءًا من مجال نفوذها التقليدي، وتصاعد التوتر بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، بعدما كثفت يريفان اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وشاركت في فعاليات دولية جمعتها بقادة غربيين وأوكرانيين.

وفي الأثناء، استخدم مسؤولون روس لغة تحذيرية تجاه القيادة الأرمينية، إذ ربط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بين مساعي أرمينيا للتقارب مع الاتحاد الأوروبي والأحداث، التي سبقت الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرًا إلى أن السعي للاندماج الأوروبي كان أحد أسباب الأزمة الأوكرانية.

وإضافة إلى ذلك، فرضت روسيا قيودًا على واردات عدد من السلع الأرمينية، شملت منتجات زراعية وغذائية ومشروبات، وهي خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها وسيلة ضغط سياسية واقتصادية قبل الانتخابات.

كما دعمت شخصيات سياسية وإعلامية روسية قوى معارضة لسياسات باشينيان، بينما اتهمت السلطات الأرمينية جهات خارجية بمحاولة التأثير على الرأي العام وإثارة الانقسامات الداخلية.

رهان السلام

ربط باشينيان جزءًا كبيرًا من برنامجه السياسي بمسار السلام مع أذربيجان، معتبرًا أن إنهاء النزاع المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

وتركز المفاوضات الحالية على توقيع اتفاق نهائي بين البلدين يتضمن تسوية الملفات الحدودية وفتح ممرات النقل والتجارة، كما تأمل أرمينيا أن يؤدي الاتفاق إلى تحسين العلاقات مع تركيا وإعادة فتح الحدود المغلقة منذ سنوات طويلة.

لكن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات، إذ تطالب أذربيجان بإجراء تعديلات دستورية في أرمينيا لحذف أي إشارات يمكن تفسيرها على أنها مطالبات بأراضٍ أذربيجانية، ما يتطلب إجراءات سياسية وتشريعية معقدة داخل البلاد.

توازن دقيق

سعى باشينيان، خلال السنوات الأخيرة إلى اتباع سياسة تقوم على تقليص الاعتماد الأمني والاقتصادي على روسيا دون الوصول إلى قطيعة كاملة معها. فروسيا ما زالت تحتفظ بقاعدة عسكرية داخل أرمينيا، كما تستوعب جزءًا مهمًا من صادراتها وتبقى شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا.

وفي الوقت نفسه، عززت يريفان تعاونها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجالات الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، كما دعمت مشروعات إقليمية جديدة تهدف إلى ربط أرمينيا بالأسواق العالمية، بعيدًا عن المسارات التقليدية التي تهيمن عليها موسكو.

وسرعان ما اعتبر مراقبون أن نتائج الانتخابات تُمثل انتصارًا لنهج باشينيان القائم على إعادة تموضع أرمينيا في المشهد الدولي، لكنها لا تعني انتهاء التحديات، فالحكومة الجديدة ستواجه مهمة صعبة تتمثل في الحفاظ على التوازن بين القوى الكبرى، واستكمال مفاوضات السلام مع أذربيجان، والتعامل مع الضغوط الروسية المستمرة.

ومع استمرار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو أرمينيا أمام مرحلة جديدة تحاول خلالها رسم سياسة خارجية أكثر استقلالية، مع الحفاظ على علاقاتها التقليدية، في معادلة مُعقدة ستحدد مستقبل البلاد، خلال السنوات المقبلة.