صديق المشردين وعدو المقربين.. المفارقة الكبرى في شخصية بيرنام

 

post-title
رئيس الوزراء البريطاني آندي برينام

 

بدأ آندي بيرنام يومه الأول رئيسًا للوزراء بمئزر المطبخ لا ربطة العنق، حين وقف في أحد ملاجئ المشردين بوسط لندن يُقطع الفطر ويُعِد الإفطار مع المتطوعين، ثم ارتدى بدلته الرسمية وتوجه إلى قصر بكنجهام ليُصافح الملك تشارلز الثالث، ويصبح سابع رئيس وزراء بريطاني خلال عقدٍ واحد مضطرب، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز.

صعود عكس التيار

لم يكن وصول بيرنام إلى السلطة مسارًا سهلًا، إذ حاولت قيادة الحزب في مطلع العام منعه من الترشح لمقعد برلماني ضروري لمنافسة رئيس الوزراء آنذاك كير ستارمر، إلا أن الهزيمة الانتخابية الكارثية التي مُني بها حزب العمال في إسكتلندا وويلز والبلديات الإنجليزية، في مايو الماضي، أجبرت ستارمر على الرضوخ والسماح له بخوض انتخاب فرعي، فاز فيه بفارق ساحق.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ النجم يتحول، إذ واصل ستارمر تراجعًا حادًا في الشعبية وصل إلى مستويات قياسية متدنية، لم يشهدها رئيس وزراء بريطاني من قبل، وذلك بعد أقل من عامين على فوزه الانتخابي الكبير عام 2024.

وفي نهاية المطاف، غادر ستارمر داونينج ستريت بكلمة وداع قصيرة، قال فيها: “أنجزت مهمتي”، تاركًا المشهد لخلفه.

خطاب بلا منصة وبلا ورقة

وقف بيرنام أمام داونينج ستريت دون أوراق أو منصة خطابية، وهو ما رأت فيه نيويورك تايمز رسالة رمزية في حد ذاتها، وأعلن أن توليه السلطة يمثل “لحظة قاطعة” لكسر أربعة عقود من سياسات النيوليبرالية التي رسخت الخصخصة وأضعفت الصناعة البريطانية.

وأكد أنه سيجعل “رعاية الإنسان في صميم كل قرار”، معترفًا بصراحة أمام المواطنين: “أعلم أنكم سئمتم من السياسة، وأنتم على حق، لم نكن بالمستوى الكافي، لكننا سنكون أفضل”.

كما أعلن عزمه طرح خطة عشرية لمستقبل البلاد قبل نهاية العام الجاري، مع وعود بإجراءات عاجلة لتخفيف العبء الاقتصادي على المواطنين في الأيام القادمة.

أول المعارك وأقربها إلى القلب

كان أبرز ما أعلنه بيرنام في خطابه الأول التزامه بإنهاء ظاهرة النوم في الشوارع كليًا، وهو هدف طموح وصفه بعضهم بالمستحيل، غير أن بيرنام يحمل في جعبته تجربة ميدانية فعلية، فخلال سنواته التسع عمدةً لمانشستر الكبرى، أطلق مبادرة “سرير كل ليلة” التي وفرت 600 سرير يوميًا للمشردين، وتبرع بـ15% من راتبه السنوي لجمعيات دعمهم، وفق ما أوردته نيويورك تايمز.

صحيح أن أعداد المشردين في مانشستر عادت للارتفاع خلال السنوات الأربع الأخيرة، بحسب ما كشفته صحيفة ذا مايل المحلية، إلا أن بيرنام يرى أن الدرس الحقيقي الذي استخلصه هو أن المعركة لا تُكسب منفردة، إذ قال: “علمتني التجربة أن الحل لا يكون إلا بالعمل الجماعي”.

الحلفاء يحصدون المكاسب

على صعيد تشكيل الحكومة، رصدت صحيفة بوليتيكو كيف أن بيرنام الودود في عيون الرأي العام أبدى “لؤمًا سياسيًا باردًا” لم تتوقعه كثير من الأوساط، إذ وصفه أحد مؤيديه بأنه في الحقيقة “سياسي ذو قلب بارد”، إذ أقصى حلفاء ستارمر المقربين دفعةً واحدة عبر مكالمات هاتفية متتالية، من المستشارة راشيل ريفز إلى نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي، وأحل محلهم تشكيلة تجمع بين أجنحة الحزب المختلفة، مع مكافأة واضحة لمن دفعوا باتجاه رحيل ستارمر.

وكانت أبرز المفاجآت تعيين جون هيلي وزيرًا للمالية في ثاني أهم منصب حكومي، وذلك بعد أسابيع قليلة فحسب من استقالته من حقيبة الدفاع احتجاجًا على تقاعس الحكومة السابقة عن رفع الإنفاق العسكري بصورة كافية.

وسيجد هيلي نفسه اليوم أمام مفارقة لافتة، وهي تمويل خطة الدفاع ذاتها التي استقال بسببها، عبر إيصال الإنفاق العسكري إلى 3% من الناتج المحلي بحلول 2030، وفق ما أوردته بوليتيكو.

وتُشير الصحيفة إلى أن تعيينه جاء ليطمئن الأسواق المالية التي كانت تخشى تولي شخصية أكثر يسارية هذا الملف الحساس.

في المقابل، نال إد ميليباند، الزعيم العمالي الأسبق الذي خسر انتخابات 2015، حقيبة الخارجية، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة مع واشنطن التي طالما أبدى ميليباند مواقف مغايرة لتوجهاتها، إذ أوقف في 2013 مشاركة بريطانيا في ضربات سوريا، وعارض استخدام قاعدة دييجو جارسيا في ضربات ضد إيران.

أما شبانة محمود فقد احتفظت بحقيبة الداخلية، في رسالة واضحة بأن بيرنام ماضٍ في سياسة التشدد تجاه الهجرة النظامية وغير النظامية على حدٍ سواء.

ومن أبرز المكافآت السياسية أيضًا، تعيين لويز هيج، التي قادت حملة انتخاب بيرنام في دائرة ميكرفيلد، رئيسةً لمكتب مجلس الوزراء والسكرتيرة الأولى للدولة، فيما عادت أنجيلا راينر إلى حقيبة الإسكان بعد أسوأ أزمة ضريبية طالتها، وعاد جوناثان رينولدز إلى حقيبة الأعمال التي أُبعد عنها في عهد ستارمر.