
تشهد الصين واحدة من أوسع حملات التطهير داخل المؤسسة العسكرية منذ عقود، بعدما فقد الرئيس الصيني شي جين بينج ثقته في عدد من كبار الجنرالات الذين كان قد أشرف بنفسه على ترقيتهم خلال السنوات الماضية. فبعد أكثر من عقد من العمل على تحويل الجيش الصيني إلى قوة تنافس الولايات المتحدة، بات هاجس الولاء السياسي يتقدم لدى القيادة الصينية على اعتبارات الكفاءة العسكرية والاستعداد القتالي.
هاجس الولاء
خلال اجتماع تشريعي حديث في بكين، ظهر التغيير الكبير داخل المؤسسة العسكرية بوضوح؛ إذ انخفض عدد الجنرالات الحاضرين مقارنة بالعام الماضي بصورة لافتة، في مؤشر على اتساع دائرة الإقصاءات والتحقيقات، وفقًا لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
وفي رسالة حملت دلالات سياسية قوية، حذّر “شي” الضباط المتبقين من ازدواج الولاء، مؤكدًا أن الجيش يجب أن يبقى خاضعًا بالكامل للحزب الشيوعي الصيني.
رغم أن الحملة تُقدَّم رسميًا باعتبارها جزءًا من مكافحة الفساد، يرى محللون للصحيفة الأمريكية، أن القضية تتجاوز ذلك إلى مخاوف سياسية وأمنية أعمق لدى القيادة الصينية.
سقوط جنرالات بارزين
الحملة الأخيرة أطاحت بعدد من أبرز القادة العسكريين، من بينهم وزيرا دفاع سابقان صدرت بحقهما أحكام بالإعدام مع وقف التنفيذ لمدة عامين، وهي عقوبة تعني غالبًا السجن المؤبد في الصين.
كما شملت الإقالات قيادات في وحدة “قوة الصواريخ”، المسؤولة عن الترسانة النووية والصاروخية الصينية، إضافة إلى جنرالات مقربين من القيادة العليا.
كان أبرز التطورات سقوط الجنرال تشانج يوشيا ، الذي عُدّ لسنوات من أقرب الشخصيات العسكرية إلى شي جين بينج، بل وأحد مهندسي مشروع تحديث الجيش الصيني.
وبحسب تقرير الصحيفة، تشير تقديرات إلى أن الخلاف بين الرجلين تصاعد بعدما اعترض الجنرال على تعزيز نفوذ مسؤول التحقيقات العسكرية الجنرال تشانج إس هينجمين، المعروف بقربه من الرئيس الصيني وتركيزه على الرقابة الأيديولوجية والانضباط الحزبي.
حسابات سياسية
نقلت الصحيفة الأمريكية عن خبراء قولهم إن القيادة الصينية باتت تعطي أولوية متزايدة للولاء السياسي داخل الجيش، حتى لو جاء ذلك على حساب الكفاءة العملياتية والاستعداد للحروب.
فبينما واصل الجيش الصيني تطوير حاملات الطائرات والصواريخ فرط الصوتية وترسانته النووية، توسعت في المقابل أجهزة الرقابة والتحقيق داخل المؤسسة العسكرية، مع اعتماد أدوات مراقبة متقدمة لتعقب الضباط ومساراتهم المالية.
وحذر مراقبون من أن استمرار حملة التطهير قد يؤثر سلبًا في جاهزية الجيش الصيني خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة واتساع المنافسة الجيوسياسية في آسيا والمحيط الهادئ.
مرحلة جديدة
تُظهر التطورات الأخيرة أن شي جين بينج دخل مرحلة أكثر حساسية في إدارة السلطة، تتسم بتزايد الشكوك تجاه الدائرة المقربة منه، حتى داخل المؤسسة العسكرية التي أعاد تشكيلها بنفسه.
وفي أبريل الماضي، أطلق الرئيس الصيني حملة جديدة لـ”التأهيل الأيديولوجي” داخل الجيش، في خطوة تؤكد أن معركة الولاء السياسي لا تزال مستمرة، وأن القيادة الصينية ترى في السيطرة الحزبية المطلقة ضمانة أساسية لبقاء النظام واستقراره.
