
كشفت شبكة “سي إن إن” الأمريكية عن خطط داخلية لإعادة بناء الملجأ “السري للغاية” أسفل الجناح الشرقي للبيت الأبيض.
وبعد مرور أكثر من ثمانين عامًا، يعود الجناح الشرقي إلى العمل استعدادًا لقاعة الاحتفالات الجديدة الفسيحة للرئيس دونالد ترامب، وقد تم تفكيك المنشآت التاريخية، وإن كانت قديمة، تحت الأرض، ويكتنف الغموض خطط إعادة بناء الملجأ.
لا يُعرف الكثير للعامة عن أعمال البناء الجارية فيما كان يُعرف سابقًا بملجأ سري يشبه الغواصة، الذي ضم مركز عمليات الطوارئ الرئاسي، والبنية التحتية تحت الأرض المحيطة به.
مشروع سري للغاية
خلال اجتماع عُقد أخيرًا للجنة تخطيط العاصمة الوطنية، حيث نُوقشت قاعة الاحتفالات، صرّح مدير إدارة البيت الأبيض، جوشوا فيشر، بشكل عام بأن مشروع قاعة الاحتفالات سيُعزز الوظائف الحيوية للمهام، ويُجري التحسينات الأمنية اللازمة، ويُوفر بنية تحتية مرنة وقابلة للتكيف، بما يتماشى مع احتياجات المهام المستقبلية.
وُجّهت أسئلة إلى “فيشر” حول سبب مخالفة المشروع للأعراف ببدء عملية الهدم دون موافقة اللجنة، فأشار إلى أن العمل “السري للغاية” الجاري تحت الأرض كان الدافع وراء ذلك.
وقال: “هناك بعض الأمور المتعلقة بهذا المشروع، وهي، بصراحة، سرية للغاية، ونعمل عليها حاليًا. هذا لا يمنعنا من تغيير الهيكل فوق سطح الأرض، ولكن كان لا بد من أخذ هذا العمل في الاعتبار عند تنفيذ هذا المشروع، وهو ما لم يكن جزءًا من إجراءات اللجنة الوطنية للتخطيط العمراني”.
وفي ملف قُدّم للمحكمة الأسبوع الماضي في قضية تسعى إلى وقف بناء الجناح الشرقي، دافع البيت الأبيض عن الإجراءات، قائلًا إن وقف أعمال البناء تحت الأرض “سيُعرّض الأمن القومي للخطر، وبالتالي سيضر بالمصلحة العامة”، وأضاف أن أسباب ذلك وُصفت في “إفادة سرية” مرفقة بالقضية.
توقّعَ مراقبون أن تظل كلفة المنشآت التحتية الأمنية غير معلنة، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن قاعة الاحتفالات الجديدة ستُموّل من تبرعات خاصة، بينما ستتحمل “العامة” أي نفقات تتعلق بالأمن والبنية التحتية، ولفتَ خبراء إلى أن تقدير الكلفة الفعلية لمثل هذه المشاريع يكاد يكون مستحيلًا بسبب اعتمادها على تقنيات غير متاحة تجاريًا، ما يجعلها خارج نطاق الشفافية المالية المعتادة.
البداية من عام 1941
في عام 1941 أمرَ رئيسُ الولايات المتحدة ببناء منشأةٍ آمنةٍ تحت الأرض داخل البيت الأبيض، وأُقيمَ فوقها امتداد جديد للجناح الشرقي، وذلك عندما شجّعَ الرئيس فرانكلين روزفلت على إنشاء ملجأ قنابل عقب الهجوم على بيرل هاربر.
أوضحَ مؤرخُ جمعية البيت الأبيض التاريخية بيل سيل أن العمل آنذاك جرى بسريةٍ كاملة، إذ لم يُعلن للرأي العام سوى عن بناء الجناح الشرقي دون الإشارة إلى الملجأ، وفي الوقت نفسه عاد الجناح ذاته اليوم إلى دائرة الإنشاء مجددًا استعدادًا لقاعة احتفالات كبرى يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إضافتها، بينما أُزيلت المنشآت التحتية التاريخية، وفق ما أوردته شبكة “سي إن إن”.
تطوّرَ المرفقُ السفلي مع مرور العقود من مجرد ملجأ قنابل إلى مجمع متعدد الوظائف، إذ شملَ مركز عمليات الطوارئ الرئاسي، وغرف نوم، ومخازن غذاء طويلة الأمد، وأنظمة مياه واتصالات مستقلة، إلى جانب باب فولاذي ضخم شبيه بأبواب الخزائن.
وأشارَ مصدر مطلع إلى أن المنشأة صُممت لتحمّل هجوم نووي أو ضربة كبرى، وكانت جزءًا من منظومة قيادة وسيطرة مركزية للرئيس وطاقمه في حالات الطوارئ.
بنية متهالكة
أوضحَ مسؤولون أمنيون سابقون أن مركز عمليات الطوارئ عملَ بالتكامل مع غرفة العمليات في الجناح الغربي، إذ كانت الأخيرة مركز متابعة دائم، بينما خُصصَ المخبأ للاستخدام في الظروف الاستثنائية فقط، وسرعان ما تحوّل المكان إلى عنصر حاضر في الثقافة الشعبية، حيث ظهر في عدة أفلام سينمائية تناولت سيناريوهات هجمات على البيت الأبيض، رغم تفاوت الدقة في تصويره.
وصفَ مصدرٌ ثانٍ المجمعَ بأنه “غواصة معقّدة من أربعينيات القرن الماضي”، مشيرًا إلى امتلاكه مصادر طاقة ومياه وترشيح هواء مستقلة، لكنه أكد في الأثناء أن بنيته التحتية أصبحت قديمة وغير ملائمة لطبيعة التهديدات الحديثة.
وأضافَ أن الموقع تضمن مسار إخلاء سري يتيح إخراج الرئيس من محيط البيت الأبيض إلى مكان آخر عند الضرورة.
بدأَت أعمالُ الهدم في الجناح الشرقي خلال أكتوبر الماضي، وشملت تفكيك الرواق الشرقي والمكاتب التاريخية، إلى جانب إزالة المنشآت التحتية السفلية بالكامل، بما فيها مركز عمليات الطوارئ وأنظمة التدفئة والتبريد ومرافق عسكرية وأمنية أخرى.
وأكدَ مصدر مطلع بدرجة عالية من الثقة أن جميع البنى التحتية قد أُزيلت، مضيفًا في الوقت نفسه أن هناك بدائل متعددة تضمن أمن الرئيس في حالات الطوارئ.
هجمات 11 سبتمبر
أضافت مصادر مطلعة أن المنشأة القديمة لعبت أدوارًا غير تقليدية على مدار العقود، إذ استُخدمت في فترات سابقة لمتابعة مواد اعتبرتها إدارات رئاسية حساسة سياسيًا أو أمنيًا، كما استُخدمت للتخطيط لعمليات دبلوماسية وعسكرية سرية خارج الولايات المتحدة، في الوقت نفسه برز دورها الأوضح خلال هجمات 11 سبتمبر 2001 عندما نُقل نائب الرئيس آنذاك ديك تشيني إليها قبل دقائق من استهداف مبنى البنتاجون.
أشارت تقارير رسمية لاحقة إلى أن المخبأ واجه في تلك الفترة مشكلات تقنية، خاصة في أنظمة الاتصالات، ما عزز القناعة داخل مؤسسات الأمن القومي بضرورة تحديث البنية التحتية بالكامل، إضافة إلى ذلك دفعت التطورات في طبيعة الحروب والتهديدات غير التقليدية، مثل الهجمات السيبرانية والتشويش الإلكتروني، إلى إعادة التفكير في مفهوم “الملجأ الرئاسي” نفسه.
