
تستعد الحكومة البريطانية لإطلاق خطتها الدفاعية طويلة الأمد بعد تأخر تجاوز الستة أشهر، وذلك وسط جدل محتدم حول الأرقام وصراع خفي على هوية مالك القرار.
بحسب صحيفة فايننشال تايمز، يعتزم رئيس الوزراء كير ستارمر ضخ ما لا يقل عن مليار جنيه إسترليني إضافية في الموازنة العسكرية فوق ما كان مخططًا، في مسعى أخير لتعزيز إرثه قبيل رحيله المرتقب عن السلطة.
تمويل الجيش
أوردت فايننشال تايمز، نقلًا عن مصادر مطلعة على المفاوضات، أن الزيادة الإجمالية في تمويل الجيش البريطاني على مدى السنوات الأربع المقبلة ستتراوح بين 14.5 و15 مليار جنيه إسترليني، وهو رقم يفوق بمليار جنيه على الأقل ما كان مقترحًا في الخطة السابقة.
وأشارت مصادر دفاعية تحدثت للصحيفة إلى أن بعض أجنحة وزارة الدفاع كانت تأمل في انتزاع 2.5 مليار إضافية، غير أن المرجح يبقى في حدود مليار إلى مليار ونصف.
جاء ذلك كله في أعقاب الاستقالة المدوية لوزير الدفاع السابق جون هيلي، الذي رفض مقترح ستارمر الأولي البالغ 13.5 مليار جنيه، معتبرًا إياه قاصرًا عن متطلبات حماية البلاد.
وطالب هيلي في رسالة استقالته بتحديد موعد صريح للوصول إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030، في حين لا تتجاوز الخطة المطروحة نسبة 2.68%، وفق ما أوضحه.
وأعاد وزير الدفاع الجديد دان جارفيس صياغة الخطة بالكامل، مُستنِدًا إلى ما وصفته مصادر فايننشال تايمز بـ”خيارات صعبة” تُقدم جاهزية القوات للقتال وتوظيف تقنيات الاستقلالية الذاتية عبر مختلف الأسلحة.
وأكدت وزيرة الخزانة راشيل ريفز أمام البرلمان أن الخطة ستُنشر قبل قمة الناتو، مشيرةً إلى أن المال سيكون “أكثر وذات فاعلية أكبر”، بعد اجتماعات عقدتها مع جارفيس وقائد القوات المسلحة المارشال سير ريتشارد نايتون.
عقيدة دفاعية جديدة
تضمنت الخطة المحدثة، وفق ما رصدته فايننشال تايمز، استثمارات موسعة في الطائرات المُسيّرة والأنظمة ذاتية التشغيل، تفوق ما كان مقترحًا في عهد هيلي، من بينها مركبات برية غير مأهولة مخصصة لإمداد الخطوط الأمامية وإجلاء الجرحى.
وعلى صعيد برامج التسليح الكبرى، وافقت الخزانة البريطانية على تمويل مشروع GCAP للجيل القادم من المقاتلات المشترك بين بريطانيا وإيطاليا واليابان، إذ أشارت مصادر ثلاثة مطلعة إلى تخصيص ما يصل إلى 6 مليارات جنيه على مدى ست سنوات، يشمل عقدًا انتقاليًا لـ18 شهرًا وتمويلًا مرحليًا حتى عام 2032.
“وتشمل الخطة أيضًا تمويل بناء طائرة تجريبية بريطانية خالصة تقودها شركة BAE Systems، تهدف إلى اختبار التقنيات التي ستدخل في تصميم مقاتلة GCAP مستقبلًا، وهو مشروع لم تُقدِم عليه بريطانيا منذ إعداد النموذج التجريبي لمقاتلة يورو فايتر تايفون قبل نحو أربعين عامًا.
غير أن محرر نشرة Defence Analysis فرانسيس توسا حذر من أن التزامات GCAP وغواصات أوكوس والرادع النووي مجتمعةً “ستلتهم أكثر من 50% من إجمالي ميزانية المشتريات الدفاعية”، مما سيُلقي بظلاله على سائر البرامج.
ستارمر يسابق الزمن
تكشف فايننشال تايمز عن توترات متصاعدة بين داونينج ستريت والرجل الذي يُرجَّح أن يكون خليفة ستارمر، أندي بيرنهام، الذي يريد مراجعة الخطة الدفاعية بنفسه بدلًا من إقرار وثيقة صاغها سلفه.
وأفادت مصادر مطلعة على تفكيره بأنه يسعى لإعادة فتح الملف عقب توليه السلطة المرتقب في 17 يوليو، في حين بدأ مسؤولو ستارمر فعليًا في إطلاع فريق بيرنهام على الخطة وملفات السياسة الأخرى.
وقد قبل بيرنهام بشكل غير رسمي، وفق المصادر ذاتها، حجة إنجاز الخطة قبل قمة الناتو بدلًا من تأجيلها، غير أن مصدرًا دفاعيًا بارزًا، تحدث لفايننشال تايمز، أبدى تشككًا صريحًا، قائلًا: “المشكلة لم تُحَل.. الشخص الوحيد الذي يعتد برأيه الآن هو بيرنهام”.
ويزيد الضغط الخارجي من تعقيد المشهد، إذ حذر وزير الخارجية البولندي من أن نفوذ بريطانيا في الحلف سيتراجع إن لم تفِ بالتزاماتها، فيما يترقب الحلفاء الغربيون، وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترامب، موقفًا بريطانيًا حازمًا في قمة أنقرة، التي تبدو أنها ستكون المحطة الدولية الأخيرة لستارمر رئيسًا للوزراء.
