تشهد الساحة السياسية الفرنسية حراكًا متسارعًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، إذ يتأهب رئيس حزب الجمهوريين، برونو ريتايو، لإعلان ترشحه رسميًا بعد أشهر طويلة من التردد، فيما يجد الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه في موقف سياسي ضعيف عقب تمرير موازنة عام 2026 بصعوبة بالغة.

نهاية التردد

كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن القرار بات شبه محسوم لدى السيناتور البالغ من العمر 64 عامًا، وأن الإعلان مسألة أيام أو أسابيع فقط.

وأشارت الصحيفة إلى أن رئيس حزب الجمهوريين قضى فترة العطلات في مشاورات مكثفة مع دائرته الضيقة، إذ أكد مصدر مقرب: “لقد حسم أمره في ذهنه”.

ورغم تصريحاته السابقة بأنه لا يملك “فيروس الرئاسة”، بحسب ما ورد في سيرته الذاتية “الكاردينال”، يبدو أن وزير الداخلية الأسبق تخلى عن حذره المعتاد، الذي كان يعبر عنه بمقولة “تلة تلو تلة”، في إشارة إلى طبيعة منطقته فاندي، حيث لا تتجاوز القمم 300 متر ارتفاعًا.

حسابات معقدة

تواجه ريتايو معضلة اختيار التوقيت المناسب للإعلان، وفقًا لـ”لوموند”، فبينما يدفع بعض مؤيديه نحو الإسراع قبل الانتخابات البلدية المقررة في 15 و22 مارس المقبل، لتأكيد سلطته كزعيم للحزب، تعقدت الحسابات بسبب الأزمة المرتبطة بموازنة 2026، التي كشفت عن انقسامات داخل حزب الجمهوريين.

ونقلت الصحيفة عن مستشار مقرب قوله: “نحن مستعدون، لكن في يوم إعلانه قد يأمر ترامب بالتدخل في إيران”، في إشارة إلى صعوبة اختيار اللحظة المناسبة وسط المتغيرات الدولية المتسارعة.

كما يفكر الفريق المحيط به في شكل الإعلان، وما إذا كان سيتم عبر نشرة الأخبار الرئيسية، أم من خلال فعالية خارجية تتيح له مساحة أوسع لعرض رؤيته.

معركة اليمين

ولا يخوض ريتايو السباق وحيدًا داخل معسكره، إذ كشفت “لوموند” أن المنافسة تتصاعد مع إعلان عمدة مدينة كان، ديفيد ليسنار، ترشحه رسميًا في 21 يناير الماضي، إضافة إلى الحملة المستمرة لرئيس إقليم الشمال كزافييه برتران، وعدم تخلي لوران فوكييه، زعيم كتلة الجمهوريين النيابية، عن طموحاته الرئاسية.

وسخر فوكييه من كثرة المرشحين، قائلًا أمام الصحافة: “هناك مرشحون يمينيون في كل مكان، كأننا أمام فوضى”.

وتشير الصحيفة إلى أن ريتايو يعول على موقعه كرئيس للحزب لحسم المنافسة، ربما عبر استفتاء داخلي يطرح سؤالًا بسيطًا: “هل تريدون أن يكون رئيس الجمهوريين المرشح الرئاسي؟”، وهو ما قد يضمن له الفوز بنحو 75% من أصوات الأعضاء الذين انتخبوه زعيمًا للحزب عام 2024.

ماكرون في مأزق

في المقابل، كشفت مجلة “بوليتيكو” الأمريكية أن الرئيس الفرنسي دخل مرحلة “البطة العرجاء” سياسيًا، حيث من المتوقع أن تتحول الدورة السياسية بالكامل إلى أجواء الحملات الانتخابية على حساب العمل التشريعي الجاد.

ونقلت المجلة عن وزراء ونواب حاليين وسابقين، من بينهم ثلاثة من حلفاء ماكرون، تأكيدهم أن معركة الموازنة انتهت، وأن المخاوف من غضب المواطنين وقلق الأسواق قد تراجعت.

وأشارت “بوليتيكو” إلى أن رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو نجح بذكاء سياسي في تجنب مصير سلفيه، ميشال بارنييه وفرانسوا بايرو، اللذين سقطا بسبب الموازنة، غير أن هذا النجاح قد يجعله هدفًا لمحاولات الإطاحة به قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ونقلت المجلة عن مستشار وزاري قوله: “كان ليكورنو ذكيًا بما يكفي لإنهاء مرحلة الموازنة بنجاح، وهذا جدير بالثناء”.

طموحات رئاسية

ورجحت “بوليتيكو” أن نجاح ليكورنو في تمرير موازنة 2026 رغم برلمان منقسم قد يدفعه إلى خوض السباق الرئاسي، إذ بات مرشحًا محتملًا أكثر جدية. إلا أن خبير استطلاعات الرأي ماتيو جالار، من مؤسسة “إبسوس”، حذر من أن “الانتقال من منصب رئيس الوزراء إلى رئاسة الجمهورية دائمًا مهمة صعبة”.

كما نقلت المجلة عن زعيم برلماني تحذيره من أن “الشهية الحزبية” التي طالما حذر منها ليكورنو قد تكلفه منصبه قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع، قائلًا: “ليس لديه أصدقاء كثيرون، والآن بعد تمرير الموازنة، يمكن لكل مجموعة سياسية أن تستمتع بإسقاطه لرفع رايتها قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة”.