زيلينسكي يطالب ترامب بالضغط على بوتين.. هل تقترب حرب أوكرانيا من مفاوضات جديدة؟
عاد مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية إلى صدارة النقاشات الدولية بعد تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن قدرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ممارسة ضغوط تدفع نظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى التفاوض. وجاءت التصريحات في أعقاب هجوم صاروخي استهدف كييف خلال الليل، وسط استمرار الخلافات حول الشروط التي يمكن أن تشكل أساسًا لأي تسوية سياسية.
وتعكس التطورات تعقيد المرحلة الحالية، إذ تتزايد الدعوات إلى إنهاء الحرب، لكن استمرار العمليات العسكرية يجعل التوصل إلى اتفاق أكثر صعوبة. كما أن مواقف الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا وروسيا لا تتطابق بشأن الضمانات الأمنية، والأراضي المتنازع عليها، ومستقبل العلاقات بين موسكو والغرب.
وتكتسب التحركات الأمريكية أهمية إضافية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة يوم 3 نوفمبر 2026، حيث يمكن للأوضاع الاقتصادية وأسعار الطاقة والسياسة الخارجية أن تؤثر على النقاش السياسي الداخلي. وتشير تقارير حديثة إلى أن إدارة ترامب تعيد ترتيب أولوياتها في التعامل مع موسكو، بينما يخشى مسؤولون أوكرانيون وأوروبيون أن يؤدي ذلك إلى تقليص الدعم لكييف أو الضغط عليها لقبول تسوية غير ملائمة لمصالحها.
زيلينسكي يراهن على النفوذ الأمريكي
يرى زيلينسكي أن واشنطن تمتلك أدوات سياسية واقتصادية يمكن استخدامها للتأثير على حسابات موسكو ودفعها إلى مفاوضات جدية. وتشمل هذه الأدوات العلاقات الدبلوماسية، والعقوبات، والتعاون الأمني، والسياسات المتعلقة بالطاقة والتجارة.
لكن امتلاك أدوات الضغط لا يعني بالضرورة القدرة على فرض اتفاق سريع. ففاعلية هذه الأدوات تعتمد على طبيعة المطالب المطروحة، واستعداد روسيا لتقديم تنازلات، ومدى توافق الولايات المتحدة مع أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين بشأن شكل التسوية المطلوبة.
وتواجه كييف معضلة تتمثل في حاجتها إلى استمرار الدعم الخارجي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإيجاد مخرج من الحرب. فالمفاوضات قد تفتح الباب لوقف إطلاق النار وتقليل الخسائر البشرية، لكنها قد تثير أيضًا مخاوف بشأن أمن أوكرانيا في المستقبل إذا لم تتضمن ضمانات واضحة تمنع تجدد الهجمات.
ولهذا، فإن مطالبة زيلينسكي بزيادة الضغط على بوتين لا تنفصل عن سعيه للحفاظ على موقع أوكرانيا في أي عملية تفاوضية، ومنع اتخاذ قرارات بشأن مستقبل البلاد دون مشاركة حكومتها.
الهجوم على كييف يزيد صعوبة التفاوض
تزامنت الدعوات إلى التحرك الدبلوماسي مع تقارير عن هجوم صاروخي روسي استهدف العاصمة الأوكرانية كييف خلال الليل. وأعلن زيلينسكي أن الهجوم تسبب في سقوط قتلى وإصابة عشرات الأشخاص، فضلًا عن أضرار طالت منشآت مدنية، وقال إن القوات الروسية أطلقت 21 صاروخًا باليستيًا باتجاه العاصمة.
وتؤثر مثل هذه الهجمات على فرص التفاوض، لأنها تعزز انعدام الثقة بين الطرفين وتزيد الضغوط الداخلية على القيادة الأوكرانية لعدم قبول اتفاق لا يضمن حماية السكان والمنشآت المدنية.
كما أن استمرار القصف يجعل وقف العمليات العسكرية أولوية إنسانية، لكنه يطرح أسئلة حول آليات مراقبة أي هدنة محتملة، والجهة التي ستتولى توثيق الانتهاكات، والإجراءات التي يمكن اتخاذها إذا عاد القتال.
ولا يكفي الإعلان عن استعداد سياسي للتفاوض لتجاوز هذه العقبات. فالاتفاق المستدام يحتاج إلى شروط قابلة للتنفيذ، وقنوات اتصال مباشرة، وضمانات واضحة بشأن الالتزامات العسكرية، فضلًا عن معالجة القضايا السياسية التي كانت وراء استمرار الصراع.
الحسابات الأمريكية قبل انتخابات التجديد النصفي
تؤثر السياسة الداخلية الأمريكية في طريقة تعامل الإدارة مع الحرب، لأن الناخبين يهتمون بقضايا المعيشة والتضخم وأسعار الوقود، إلى جانب الملفات الخارجية.
وتواجه إدارة ترامب ضغوطًا لتحقيق نتائج ملموسة في السياسة الخارجية، خصوصًا إذا كانت قد تعهدت بإنهاء الحرب أو تقليص أعبائها. غير أن التوصل إلى اتفاق سريع لا يضمن بالضرورة نجاحًا سياسيًا، إذا اعتبر الحلفاء أن التسوية تمنح روسيا مكاسب استراتيجية، أو رأى الناخبون أن الاتفاق لا يضمن استقرارًا طويل الأمد.
وتشير التغطيات المنشورة في 22 أكتوبر إلى أن التحولات في الموقف الأمريكي تجاه موسكو تثير قلقًا في كييف وبين عدد من الحلفاء الأوروبيين، خاصة في ما يتعلق بالعقوبات والدعم الأمني واحتمالات استبعاد أوكرانيا من بعض اللقاءات الدبلوماسية المهمة.
وفي هذا السياق، تتجاوز المفاوضات حدود العلاقة بين واشنطن وموسكو، إذ ترتبط أيضًا بمصداقية الالتزامات الأمريكية تجاه الحلفاء، وبقدرة الدول الأوروبية على تحمل مسؤولية أكبر في دعم الأمن الأوكراني.
أوروبا تخشى تداعيات أي تسوية متسرعة
تتعامل الدول الأوروبية مع الحرب من منظورين متداخلين. الأول يتعلق بأمن القارة ومنع أي تغيير للحدود بالقوة، والثاني يرتبط بتكاليف الدعم العسكري والاقتصادي والإنساني المقدم لأوكرانيا.
وتخشى بعض الحكومات أن يؤدي اتفاق لا يتضمن ضمانات كافية إلى تجميد الصراع بدلًا من إنهائه، بما يتيح تجدد المواجهة في وقت لاحق. كما تخشى أن تؤدي الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن شروط التسوية إلى إضعاف الموقف الغربي في المفاوضات.
لكن استمرار الحرب يفرض تكاليف أيضًا، من بينها الإنفاق الدفاعي، والضغوط على الميزانيات العامة، وتأثير التوترات الجيوسياسية على أسواق الطاقة والاستثمار.
ولذلك، تبحث الحكومات الأوروبية عن صيغة تجمع بين دعم أوكرانيا وفتح المجال للدبلوماسية، من دون التخلي عن المطالب المتعلقة بسيادة الدولة وضمان أمنها.
العقوبات والطاقة في معادلة الحرب
تظل العقوبات الاقتصادية أحد أبرز أدوات الضغط على روسيا، لكنها ترتبط في الوقت نفسه بتوازنات سوق الطاقة العالمية. فالتغييرات في القيود المفروضة على تجارة الوقود أو الإمدادات الروسية قد تؤثر على الأسعار، وعلى قدرة الدول المستهلكة على تأمين احتياجاتها.
وتواجه الحكومات معضلة عندما تتعارض أهداف الضغط السياسي مع اعتبارات استقرار الأسعار والإمدادات. فقد يؤدي تشديد القيود إلى زيادة تكاليف الطاقة، بينما قد يثير تخفيفها انتقادات بشأن تمويل الاقتصاد الروسي أو إضعاف موقف أوكرانيا.
ولا يمكن تقييم فاعلية العقوبات من خلال أثرها الاقتصادي المباشر وحده، بل يجب النظر أيضًا إلى قدرتها على تغيير الحسابات السياسية والعسكرية، ومدى التنسيق بين الدول التي تطبقها، وإمكانات الالتفاف عليها.
وفي ظل اقتراب الانتخابات الأمريكية، تصبح هذه الملفات أكثر حساسية، لأنها ترتبط بتكاليف المعيشة وبالجدل حول أولويات السياسة الخارجية.
ما الشروط اللازمة لاتفاق قابل للاستمرار؟
تحتاج أي تسوية محتملة إلى معالجة عدد من القضايا الأساسية، وفي مقدمتها وقف إطلاق النار، وترتيبات مراقبة الالتزام به، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، ووضع المناطق المتنازع عليها، ومستقبل العقوبات، وآليات التعامل مع الخروقات.
كما يتعين تحديد دور الولايات المتحدة والدول الأوروبية في تنفيذ الاتفاق، ومدى مشاركة المؤسسات الدولية في المراقبة أو تقديم الضمانات. ومن دون آليات واضحة، قد يتحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة لا تمنع عودة القتال.
وتبرز كذلك أهمية مشاركة أوكرانيا في تحديد شروط التسوية، لأن أي اتفاق يتعلق بمستقبل أراضيها وأمنها لن يكون مستدامًا إذا افتقر إلى قبول سياسي داخلي.
هل تقترب الحرب من نهايتها؟
لا تسمح التطورات الحالية بالجزم بأن نهاية الحرب باتت وشيكة، فالتصريحات السياسية لا تزال تتزامن مع استمرار الهجمات والخلافات بشأن شروط التفاوض. ومع ذلك، فإن تصاعد النقاش حول دور واشنطن واحتمالات إعادة ترتيب العلاقات مع موسكو يعكس أهمية المرحلة الدبلوماسية المقبلة.
وسيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت الأطراف ستنتقل من تبادل التصريحات إلى مفاوضات تتضمن التزامات واضحة، أم ستظل الدبلوماسية أداة للضغط بينما تستمر العمليات العسكرية.
وفي جميع الأحوال، يبقى مستقبل الحرب مرتبطًا بقدرة الأطراف على إيجاد صيغة توازن بين وقف الخسائر البشرية، وضمان أمن أوكرانيا، ومعالجة المخاوف الأمنية المتبادلة، وتجنب اتفاق هش يعيد إنتاج الصراع بعد فترة قصيرة.



