
بعد 6 أشهر من توليه زمام كوريا الجنوبية، يُجري الرئيس لي جاي ميونج، زيارة دولة إلى الصين، هي الأولى منذ نحو 9 سنوات لرئيس كوري جنوبي، لتعديل المسار الدبلوماسي لبلاده، مبتعدًا عن سياسة سلفه يون سوك يول، التي وصفت بأنها “موالاة مفرطة لواشنطن وفتور تجاه بكين”.
وتعد الزيارة أول تحرك دبلوماسي رفيع المستوى بين سول وبكين في عام 2026، وتأتي بعد شهرين فقط من زيارة سابقة لقائد صيني إلى كوريا الجنوبية، ما يعكس تسارع وتيرة تعافي العلاقات الثنائية، بحسب صحيفة “آسيا ديلي” الكورية.
محادثات مطولة
شهدت الزيارة عقد قمة كورية صينية في بكين، الاثنين، استمرت نحو ساعة ونصف الساعة، متجاوزة الوقت المحدد مسبقًا، وفق ما أفادت به صحيفة “جونج أنج إلبو”. وخلال المحادثات، وصف لي جاي ميونج، عام 2026 بأنه “عام الانطلاق الشامل لتعافي العلاقات الكورية الصينية”، مؤكدًا سعي بلاده إلى تعميق الشراكة الإستراتيجية وفتح آفاق جديدة للتعاون.
وقبل القمة بيوم، قال الرئيس الكوري، خلال لقائه الجالية الكورية في الصين، إن زيارته تُمثل محطة مفصلية للتخطيط لمسار العلاقات الثنائية خلال الثلاثين عامًا المقبلة.
ويرى الباحث الصيني المتخصص في شؤون شمال شرق آسيا دا تشي جانج، الذي تحدث مع موقع “أوبزفر” الصيني، أن تصريحات رئيس كوريا الجنوبية تعكس توجهًا واضحًا نحو بناء علاقة مستقرة مع الصين من منظور متوسط وطويل الأمد، وليس ضمن حسابات سياسية قصيرة الأجل أو مرتبطة بدورة رئاسية واحدة.
محاولة توازن دقيقة
وتزامنت زيارة لي جاي ميونج، مع استمرار التنافس الصيني الأمريكي، ما وضعها تحت مجهر التحليل السياسي، وأثار الرئيس الكوري جدلًا، أغسطس الماضي، خلال زيارته إلى واشنطن، عندما قال إن بلاده لم تعد قادرة على الاستمرار في نهج “الأمن مع الولايات المتحدة والاقتصاد مع الصين” كما في السابق.
غير أن الخبير الصيني يرى أن التحالف الكوري الأمريكي سيبقى حجر الزاوية في سياسة سول الخارجية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العداء مع الصين خط أحمر لا يمكن لكوريا الجنوبية تجاوزه، نظرًا للثقل الاقتصادي والسياسي لبكين ودورها المحوري في قضايا شبه الجزيرة الكورية.
ويشارك هذا التقدير عدد من الباحثين الكوريين، إذ أكد كيم هيونج كيو، مدير معهد السياسات الصينية الأمريكية في جامعة آسيا، أن جميع القضايا، بما فيها ملف تايوان، يجب التعامل معها انطلاقًا من مبدأ عدم تحويل الصين إلى خصم.
رسائل إقليمية
ومن أبرز محطات الزيارة، توجه لي جاي ميونج، إلى مقر الحكومة المؤقتة لجمهورية كوريا بشنجهاي، في خطوة تحمل دلالات تاريخية قوية. وقال مسؤولون كوريون، إن الزيارة تأتي في سياق إحياء ذكرى نضال الشعبين ضد الاحتلال الياباني، خاصة مع تصاعد الجدل في اليابان حول مراجعة التاريخ وسياسات الأمن.
وخلال لقائه مع القيادة الصينية، أعرب لي جاي ميونج، عن تقدير بلاده لحماية الصين لمواقع الحركة الاستقلالية الكورية على أراضيها، مؤكدًا أن البلدين يتقاسمان ذاكرة تاريخية مشتركة في مقاومة العدوان.
الاقتصاد أولًا
إلى جانب البعد السياسي، حملت الزيارة طابعًا اقتصاديًا بارزًا، إذ رافق الرئيس الكوري وفد اقتصادي يضم أكثر من 200 رجل أعمال، على رأسهم قادة كبرى التكتلات الصناعية، مثل سامسونج، وSK، وهيونداي، وLG.
ووقعت الشركات الكورية والصينية، بحضور قائدي البلدين، 15 مذكرة تفاهم في مجالات شملت الابتكار التكنولوجي، والبيئة، والنقل، وسلاسل الإمداد، والتجارة.
وأكد الرئيس الكوري، خلال منتدى الأعمال، أن بلاده تتطلع إلى التعاون مع الصين في التصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الخضراء، والتبادل الثقافي، مشيرًا إلى أن الحكومة الكورية ستعمل على تهيئة بيئة داعمة لتوسيع التعاون بين شركات البلدين.
