توصلت دراسة حديثة إلى أن اختلافاً كيميائياً صغيراً بين RNA وDNA قد يكون له تأثير كبير في الطريقة التي تتجمع بها الجزيئات الحيوية.

ويشير البحث إلى أن ذرة الأكسجين الإضافية الموجودة في تركيب RNA تساعد جزيئاته على التجمع في قطرات كثيفة وشبكات هلامية، وهي آلية ربما ساعدت على تركيز المواد العضوية على الأرض البدائية قبل ظهور الخلايا والأغشية الخلوية.

كيف تجمعت الجزيئات قبل ظهور الخلايا؟

تحتاج الخلايا الحديثة إلى أغشية تحافظ على تركيز الجزيئات داخلها وتفصل التفاعلات الكيميائية عن البيئة المحيطة. لكن قبل ظهور الخلايا الأولى، لم تكن هناك أغشية قادرة على أداء هذه المهمة.

وتطرح فرضية عالم RNA احتمال أن يكون هذا الجزيء قد لعب دوراً مركزياً في المراحل الأولى من نشأة الحياة، نظراً لقدرته على تخزين المعلومات الوراثية والمشاركة في بعض التفاعلات الكيميائية.

لكن وجود جزيئات RNA منفردة في بيئة مائية واسعة كان سيجعل فرص التقائها وتفاعلها محدودة، خصوصاً أن RNA أقل استقراراً كيميائياً من DNA. لذلك كان تركيز هذه الجزيئات في مناطق صغيرة خطوة محتملة نحو تكوين أنظمة أكثر تعقيداً.

قطرات حيوية من دون أغشية

يقدم ما يعرف باسم الفصل الطوري تفسيراً محتملاً لهذه المشكلة. فعلى غرار انفصال الزيت عن الماء، يمكن لبعض الجزيئات الحيوية أن تتجمع في قطرات عالية الكثافة داخل سائل أقل تركيزاً.

وتُعرف هذه البنى باسم المكثفات الجزيئية الحيوية. وهي ليست خلايا حقيقية لأنها لا تمتلك غشاءً محيطاً بها، لكنها تستطيع توفير بيئة تتركز فيها الجزيئات والتفاعلات الكيميائية.

وكانت أبحاث سابقة قد أظهرت أن بعض جزيئات RNA يمكنها تكوين مثل هذه القطرات عند تسخينها في محاليل تحتوي على أيونات المغنيسيوم، وهو سلوك غير متوقع لأن ارتفاع الحرارة يؤدي عادةً إلى زيادة ذوبان المواد بدلاً من دفعها إلى التجمع.

اختلاف صغير يصنع فرقاً كبيراً

ركز الباحثون على مقارنة RNA مع DNA أحادي السلسلة يحمل تسلسلاً مشابهاً. ورغم التشابه الكبير بين الجزيئين، فإن السكر الموجود في RNA يحتوي على مجموعة كيميائية تسمى 2′-OH، تضم ذرة أكسجين وهيدروجين، بينما يفتقد DNA هذه المجموعة ويحتوي بدلاً منها على ذرة هيدروجين.

وأظهرت التجارب أن هذا الاختلاف البسيط يؤثر بقوة في سلوك الجزيئات.

فقد بدأ RNA في تكوين المكثفات عند درجات حرارة تقل بنحو 10 درجات مئوية عن درجة الحرارة اللازمة لبدء السلوك نفسه لدى DNA، ما يشير إلى أن RNA يمتلك ميلاً أكبر للتجمع في هذه الظروف.

الماء والمغنيسيوم يكشفان الآلية

استخدم الباحثون مجموعة من التقنيات، شملت الفحص المجهري وقياسات الأشعة السينية والمحاكاة الجزيئية، لفهم سبب هذا الاختلاف.

وأظهرت النتائج أن مجموعة 2′-OH تغير طريقة تفاعل RNA مع الماء وأيونات المغنيسيوم. ومع ارتفاع درجة الحرارة، يستطيع RNA التخلص من جزء من الماء المحيط به بصورة أسهل من DNA.

وفي الوقت نفسه، تساعد أيونات المغنيسيوم على تقريب سلاسل RNA من بعضها، ما يؤدي في النهاية إلى تكوين قطرات عالية الكثافة.

ولم تتوقف العملية عند تكوين القطرات؛ إذ استطاعت جزيئات RNA أيضاً تشكيل شبكات هلامية مترابطة، بينما كان DNA أقل ميلاً إلى اتباع هذه المسارات.

هل ساعد ذلك في ظهور الحياة؟

لا تثبت الدراسة أن مكثفات RNA كانت بالفعل مرحلة في نشأة الحياة، لكنها تقدم آلية محتملة لمشكلة أساسية في فرضيات أصول الحياة: كيف تركزت الجزيئات الضرورية للتفاعل قبل وجود الخلايا؟

إذا تمكن RNA من التجمع تلقائياً في مناطق صغيرة، فقد يوفر ذلك بيئة تزيد فرص التفاعل بين الجزيئات وتسمح بحدوث عمليات كيميائية أكثر تعقيداً.

وقد تمثل هذه الخاصية أحد العوامل التي ساعدت، نظرياً، على الانتقال من جزيئات بسيطة ومتفرقة إلى أنظمة كيميائية أكثر تنظيماً.

وتشير النتائج المنشورة في مجلة Nature Communications إلى أن فرقاً كيميائياً بالغ الصغر بين RNA وDNA قد تكون له آثار واسعة على سلوك الجزيئات، وربما يقدم مفتاحاً جديداً لفهم الظروف التي سبقت ظهور أول أشكال الحياة على الأرض.