كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون في مركز بيرلموتر للسرطان التابع لجامعة نيويورك عن آليات تساعد سرطان البنكرياس على التكيف مع العلاجات والانتشار إلى أجزاء أخرى من الجسم، وذلك من خلال تغييرات جينية مستمرة داخل الخلايا السرطانية.
واعتمدت الدراسة على تحليل نحو 443 ألف خلية مأخوذة من أورام مرضى، ما أتاح للباحثين فهم الاختلافات بين مجموعات الخلايا داخل الورم الواحد، وكيف يمكن لهذه الاختلافات أن تؤثر في تطور المرض واستجابته للعلاج.
تغيرات جينية تساعد الورم على التطور
ركزت الدراسة على سرطان الغدة القنوية البنكرياسية، وهو أحد أكثر أنواع السرطان صعوبة في العلاج، ويتميز بقدرته على التطور ومقاومة العديد من الخيارات العلاجية.
وأظهرت النتائج أن الأورام لا تتكون من خلايا متطابقة في خصائصها، بل تضم مجموعات متعددة تختلف في نشاط جيناتها وسلوكها البيولوجي. وقد تتمكن بعض هذه المجموعات من اكتساب خصائص تساعدها على مقاومة العلاج، بينما تصبح مجموعات أخرى أكثر قدرة على الانتشار.
ويرى الباحثون أن التغير المستمر في الخصائص الجينية لهذه الخلايا قد يسهم في تطور الورم وتشكيل بيئات خلوية أكثر مقاومة للعلاجات المتاحة.
وتشير النتائج إلى أهمية دراسة التنوع الموجود داخل الورم نفسه، بدلًا من التعامل معه باعتباره كتلة واحدة متجانسة.
جين MYC ودوره في زيادة عدوانية السرطان
من أبرز النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي تحديد دور جين MYC في التغير بين نمطين رئيسيين من خلايا سرطان البنكرياس، يُعرفان بالنمط الكلاسيكي والنمط القاعدي.
ويرتبط النمط القاعدي عادةً بخصائص أكثر عدوانية، بينما يتميز النمط الكلاسيكي بخصائص بيولوجية مختلفة قد تكون أقل عدوانية في بعض الحالات.
وأوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Genetics في 13 أكتوبر، أن التغيرات في النشاط الجيني قد تساعد الخلايا السرطانية على الانتقال بين هذين النمطين.
وفي تجارب مخبرية، أدى تثبيط نشاط جين MYC في خلايا من النمط القاعدي إلى ظهور خصائص أقرب إلى النمط الكلاسيكي الأقل عدوانية، كما أصبحت الخلايا أكثر عرضة للتفاعل مع الجهاز المناعي.
وتفتح هذه النتائج المجال أمام دراسة إمكانية استهداف MYC للحد من تطور الورم، إلا أن تحديد الفائدة العلاجية الفعلية يتطلب مزيدًا من الأبحاث والتجارب السريرية.
كيف يتجنب سرطان البنكرياس الجهاز المناعي؟
كشفت الدراسة أيضًا عن اختلافات في نشاط بعض الجينات المرتبطة بتفاعل الخلايا السرطانية مع الجهاز المناعي، ومن بينها جين TIGIT.
ولاحظ الباحثون ارتفاع نشاط هذا الجين في مجموعات معينة من الخلايا السرطانية، إلى جانب انخفاض نشاط جين PD1 في الخلايا نفسها.
وقد تساعد هذه الاختلافات على تفسير بعض جوانب ضعف الاستجابة للعلاجات المناعية لدى مرضى سرطان البنكرياس، إذ تؤثر التفاعلات بين الخلايا السرطانية والبيئة المحيطة بالورم في قدرة الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا غير الطبيعية ومهاجمتها.
ويرى الباحثون أن فهم هذه الآليات قد يساعد في تحديد أهداف علاجية جديدة، وربما تحسين تصميم العلاجات التي تستهدف المسارات المناعية المختلفة.
تحليل أكثر من 443 ألف خلية لفهم تطور المرض
استخدم الفريق تقنية تحليل النشاط الجيني للخلايا الفردية، المعروفة باسم تحليل النسخ الجيني، لدراسة 443,451 خلية مأخوذة من 62 ورمًا لدى 56 مريضًا مصابًا بسرطان الغدة القنوية البنكرياسية.
وشملت العينات حالات قدم فيها ستة مرضى عينات من الأورام قبل العلاج الكيميائي وبعده، ما أتاح للباحثين فرصة دراسة التغيرات التي قد تحدث خلال مسار العلاج.
وأظهر التحليل أن الورم الواحد قد يحتوي على مجموعات متعددة من الخلايا الكلاسيكية والقاعدية، مع اختلافات في نشاط الجينات والخصائص البيولوجية.
وساعدت هذه البيانات على تحديد الجينات التي قد تؤدي أدوارًا مهمة في تطور المرض، وفي مقدمتها MYC وTIGIT، كما قدمت صورة أكثر تفصيلًا عن التنوع الموجود داخل الأورام البشرية.
آفاق جديدة لتطوير علاجات سرطان البنكرياس
تشير نتائج الدراسة إلى أن استهداف الآليات التي تسمح للخلايا السرطانية بتغيير خصائصها قد يمثل مسارًا مهمًا لتطوير علاجات مستقبلية، خاصة عند الجمع بين استهداف الجينات المرتبطة بتطور الورم وتعزيز استجابة الجهاز المناعي.
وتجري أبحاث وتجارب سريرية على مثبطات تستهدف MYC أو TIGIT في سرطان البنكرياس وأنواع أخرى من السرطان، لكن ذلك لا يعني أن هذه الخيارات أصبحت علاجات معتمدة وفعالة لهذا المرض.
ويأمل الباحثون أن تسهم النتائج في تطوير أساليب علاجية أكثر دقة، تراعي الاختلافات بين الخلايا السرطانية داخل الورم الواحد، وتساعد على الحد من مقاومة العلاج وإبطاء تقدم المرض.
وتؤكد الدراسة أهمية مواصلة البحث في التغيرات الجينية والتفاعلات المناعية داخل الأورام، باعتبارها عوامل قد تساعد مستقبلًا على تحسين فرص العلاج لدى المصابين بسرطان البنكرياس.



