انطلقت في العاصمة الإيطالية روما، اليوم الثلاثاء، الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، تضم وفودًا من الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل؛ في محاولة لتحويل التفاهمات الأمنية الهشة على الحدود الجنوبية اللبنانية إلى مسار أكثر استقرارًا، وسط رهانات على تحقيق انسحابات إسرائيلية إضافية مقابل توسيع انتشار الجيش اللبناني، مع بحث ملفات شائكة تشمل ترسيم الحدود البرية، ومستقبل سلاح حزب الله، وقضايا الأسرى والمفقودين.

وتأتي المحادثات بعد لقاء جمع الرئيس اللبناني جوزاف عون بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأسبوع الفائت، في وقت تعتبر فيه واشنطن أن تجربة “المنطقة التجريبية” الأولى في جنوب لبنان حققت نتائج مشجعة.

اتفاق مرحلي

تعتمد المفاوضات على مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، إذ تربط الولايات المتحدة وإسرائيل أي انسحاب جديد للقوات الإسرائيلية بمدى نجاح الجيش اللبناني في فرض سيطرته الأمنية ومنع عودة عناصر حزب الله إلى المناطق التي ينتشر فيها.

ويؤكد المسؤولون اللبنانيون أن انتشار الجيش في المنطقة التجريبية يُمثّل نموذجًا يُمكن البناء عليه لتوسيع نطاق الانسحابات، بينما لم تعلن واشنطن أو تل أبيب حتى الآن تقييمًا رسميًا شاملًا لأداء الجيش، رغم أن هذا الملف سيكون محورًا رئيسيًا في الاجتماعات العسكرية بروما.

وتشير تقديرات غير رسمية متداولة في واشنطن إلى أن الجيش اللبناني عزز جهوده في رصد مخازن أسلحة حزب الله، ومنع نقل المعدات العسكرية إلى مناطق انتشاره، وهو ما قد يفتح الباب أمام انسحابات إسرائيلية جديدة وإفراج أمريكي عن مساعدات عسكرية منتظرة للبنان.

وتنتظر بيروت دعمًا أمريكيًا، قد يصل إلى 150 مليون دولار، بينما تحدثت تقارير عن طلب لبناني للحصول على مساعدات وتجهيزات تصل قيمتها إلى 500 مليون دولار.

ملف الحدود

يُمثّل ترسيم الحدود البرية أحد أعقد الملفات المطروحة في روما، إذ تؤكد الأطراف الثلاثة أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع عام 2022 لن يُعاد فتحه، بينما ستتركز المناقشات على الحدود البرية والنقاط المتنازع عليها على طول “الخط الأزرق”.

وتستند الحدود الحالية إلى ترتيبات متراكمة تعود إلى حقبة الانتداب الفرنسي والبريطاني في عشرينيات القرن الماضي، ثم اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، وصولًا إلى الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، ولا تزال عدة نقاط خلافية عالقة، ما يجعل التوصل إلى اتفاق نهائي مهمة معقدة تتطلب تسويات سياسية وأمنية متوازية.

حزب الله

يتجاوز الاهتمام الأمريكي والإسرائيلي جنوب لبنان ليشمل القدرات العسكرية لحزب الله على مستوى البلاد، إذ تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تقليص نفوذ الحزب ومنع إعادة بناء بنيته العسكرية.

ويركز هذا المسار على محورين أساسيين؛ الأول يتمثل في تشديد الرقابة على الحدود والموانئ والمطارات لمنع وصول الأسلحة الإيرانية إلى الحزب، حيث اتخذت السلطات اللبنانية إجراءات في مطار بيروت والمرافئ البحرية، لكنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة على الحدود مع سوريا، التي تعتبرها التقديرات الأمريكية أحد أبرز مسارات تهريب السلاح، إلى جانب طرق تمر عبر العراق.

أما المحور الثاني، فيتعلق بالشبكات المالية للحزب، بما يشمل مصادر التمويل الإيرانية وعائدات التهريب وعمليات غسل الأموال، وهي ملفات تسعى واشنطن إلى إدراجها ضمن أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

قضايا إنسانية

تشمل المفاوضات أيضًا ملف الأسرى والمفقودين، إذ تطالب بيروت بالإفراج عن لبنانيين محتجزين في السجون الإسرائيلية واستعادة رفات مقاتلين من حزب الله قتلوا خلال المواجهات، بينما تعتزم إسرائيل إثارة ملفات يهود لبنانيين وإسرائيليين اختفوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990.

وتشير تقارير إلى أن إسرائيل أعدت ملفات تتعلق بأشخاص اختطفوا في بيروت خلال ثمانينيات القرن الماضي، في قضية لا تزال تثير حساسية كبيرة بالنظر إلى آلاف المفقودين الذين لم يُكشف مصيرهم حتى اليوم.

دعم أمريكي

وتنظر واشنطن إلى نجاح انتشار الجيش اللبناني؛ باعتباره حجر الأساس لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، إذ تربط زيادة المساعدات العسكرية والمالية لبيروت بقدرة المؤسسة العسكرية على بسط نفوذها في الجنوب ومنع أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة. ويرى مسؤولون أمريكيون أن تعزيز قدرات الجيش يُمثّل الخيار الأكثر فاعلية لتقليص نفوذ حزب الله تدريجيًا، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة على الحدود.

وفي المقابل، تؤكد الحكومة اللبنانية أن نجاح هذه الخطة يتطلب انسحابات إسرائيلية متزامنة من المناطق التي لا تزال قواتها تنتشر فيها، معتبرة أن استمرار الوجود الإسرائيلي يعرقل استكمال انتشار الجيش ويمنح حزب الله مبررات للإبقاء على سلاحه تحت شعار “مقاومة الاحتلال”.

هواجس إسرائيلية

من جانبها، تتمسك إسرائيل بأن أي انسحاب كامل من جنوب لبنان يجب أن يسبقه تأكدها من عدم عودة عناصر حزب الله أو إعادة بناء بنيته العسكرية بالقرب من الحدود. كما تطالب بآليات مراقبة فعالة تضمن منع تهريب الأسلحة إلى الحزب، سواء عبر الحدود السورية أو المرافئ والمطارات اللبنانية، إلى جانب استمرار التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة.

وترى تل أبيب أن نجاح التجربة الحالية قد يمهد لترتيبات أمنية أكثر استقرارًا على الحدود الشمالية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أنها ستحتفظ بحقها في التحرك عسكريًا إذا رصدت أي محاولات لإعادة تمركز الحزب أو نقل أسلحة متطورة إليه.

اختبار سياسي

ولا تقتصر أهمية محادثات روما على الجوانب الأمنية، بل تُمثّل أيضًا اختبارًا لقدرة الإدارة الأمريكية على تثبيت تفاهمات طويلة الأمد بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في ظل استمرار التوترات الإقليمية. كما تسعى واشنطن إلى استثمار أي تقدم في هذا المسار لتعزيز الاستقرار في شرق المتوسط، بالتوازي مع جهودها لاحتواء الأزمات الممتدة في المنطقة.

ويعتقد مراقبون أن أي تقدم في ملفات الانسحابات وترسيم الحدود سيمنح الحكومة اللبنانية دفعة سياسية واقتصادية، فيما قد يفتح الباب أمام زيادة الدعم الدولي وإطلاق مشاريع استثمارية جديدة، خاصة إذا نجحت الأطراف في الحفاظ على الهدوء الأمني خلال الأشهر المقبلة.