
لم يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكتفي بانتقاد حلفائه الغربيين في الكواليس، بل بات يُحوّل خلافاته معهم إلى مادة للتندر العلني والإهانة الشخصية، في مشهد غير مسبوق يكشف كيف باتت العلاقات عبر الأطلسي تنزلق من التوتر الدبلوماسي إلى ما يشبه المهاترات الشخصية، فيما تتصاعد تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتهديداتها للاقتصاد العالمي.
ترامب يسخر من ستارمر
لم يتوانَ ترامب عن تحويل حفل عشاء عيد الفصح في البيت الأبيض إلى منصة للسخرية من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إذ كشفت صحيفة “ذا تليجراف” أنه قلّده بنبرة خافتة مترددة أمام الحضور، حين روى كيف طلب منه إرسال حاملتَي طائرات بريطانيتين إلى منطقة الشرق الأوسط.
وحاكى ترامب ستارمر قائلًا: “آه.. سأضطر إلى سؤال فريقي”، ليرد عليه ساخرًا: “أنت رئيس الوزراء، لست مضطرًا لذلك”، قبل أن يضيف: “قال لي: لا لا، فريقي يجب أن يجتمع، سنجتمع الأسبوع القادم. قلت له: الحرب ستنتهي في ثلاثة أيام”.
وهذه ليست المرة الأولى التي يوجّه فيها ترامب سهامه نحو ستارمر، إذ سبق أن وصفه بأنه “ليس ونستون تشرشل”، وبات يُلقبه، وفق ما أوردته “ذا تليجراف”، بـ”الخاسر”.
وفي مقابلة خاصة مع الصحيفة ذاتها، ذهب ترامب أبعد من ذلك حين لمح إلى أن الملك تشارلز، الذي يزور واشنطن هذا الشهر، كان سيقف إلى جانبه في الحرب على إيران، خلافًا لما فعله رئيس وزرائه.
جذور الخلاف
غضب ترامب من ستارمر لم يأتِ من فراغ، إذ رفضت بريطانيا الانضمام إلى الضربات الأمريكية على إيران، ومنعت في البداية استخدام قواعدها العسكرية، بما فيها قاعدة دييجو جارسيا في جزر شاجوس.
كما رفضت لندن إرسال سفن حربية لإعادة فتح مضيق هرمز الذي تُحكم إيران إغلاقه، وهو ممر يمر عبره خُمس النفط العالمي، وأسهم إغلاقه في ارتفاع حاد بأسعار الطاقة يهدد بركود اقتصادي عالمي.
في مواجهة هذه الضغوط، دافعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر عن الموقف البريطاني بحزم، مؤكدةً أن “مهمتنا هي اتخاذ قرارات في ضوء المصلحة الوطنية”، وأن لندن آثرت “عدم الانجرار إلى عمل عسكري هجومي في الشرق الأوسط بسبب مخاوف جدية من مخاطر التصعيد وتداعياته على الاقتصاد”.
وكشفت كوبر أن اجتماعًا عسكريًا مرتقبًا سيبحث في تأمين الملاحة البحرية وإزالة الألغام الإيرانية، في حين جرى تخفيف حدة مسودة قرار أممي بشأن المضيق بعد معارضة الصين وروسيا وفرنسا.
إهانة ماكرون بصفعة الطائرة
لم يسلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بدوره من سخرية ترامب، فبحسب ما رصدته شبكة “سي إن إن”، هاجمه الرئيس الأمريكي في تجمع خاص، مستشهدًا بمقطع مصور يظهر فيه إشكال بين ماكرون وزوجته على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية، قائلًا إن زوجته “تعامله بشكل سيئ للغاية، وهو لا يزال يتعافى من اللكمة على الفك”.
وجاءت هذه التعليقات في سياق توبيخ ترامب لفرنسا على رفضها الانضمام إلى العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وردّ ماكرون خلال زيارته لكوريا الجنوبية بنبرة فيها احتقار واضح، إذ قال إن كلام ترامب “لم يكن لائقًا ولا في المستوى المطلوب”.
أما في فرنسا، فقد اشتعلت موجة استنكار واسعة، إذ وصف النائب اليساري مانويل بومبار التصريحات بأنها “غير مقبولة على الإطلاق”، فيما قالت رئيسة الجمعية الوطنية ياييل براون-بيفيه بمرارة: “العالم يناقش مصيره، وهناك من يموت على أرض المعركة، وعندنا رئيس يضحك ويسخر من الآخرين”.
أوروبا صامدة في وجه ترامب
على الرغم من حدة الانتقادات، تمسكت باريس بموقفها، وانضمت إليها إسبانيا وإيطاليا في حظر استخدام قواعدها الجوية في العمليات الأمريكية الهجومية.
وتكتفي فرنسا بنشر قوات في الخليج لحماية الحلفاء العرب دون الانخراط في المعارك.
وسخر البيت الأبيض من العرض الفرنسي بإرسال سفن حماية “بعد أن تهدأ المعارك”، واصفًا إياه بأنه لا قيمة له.
وفي المشهد الأكثر خطورة، كشفت “ذا تليجراف” أن ترامب بات يدرس جديًا الانسحاب من حلف الناتو، في خطوة ستُعيد رسم خريطة الأمن الأوروبي برمتها، مطالبًا الدول الأوروبية بـ”امتلاك بعض الشجاعة المتأخرة” والسيطرة على مضيق هرمز. وهو مشهد يؤكد أن ترامب لا يرى في الحلفاء الغربيين اليوم شركاء، بل عبئًا يستحق التندر والضغط في آنٍ معًا.
