تحوّل كلمة سودانية عامية واحدة إلى رسالة سياسية حادة تدعو قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى مغادرة السلطة. منذ مساء الخميس، تصاعد انتشار وسمي “اختانا” و”اختانا يا برهان” على منصات التواصل، مصحوباً بمطالبات تربط بين بقاء البرهان في الحكم واستمرار الحرب، والموت، والانهيار الاقتصادي، والجوع، والنزوح، وفشل مشروع الحسم العسكري، بالإضافة إلى اتهامات باستخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين. في اللهجة السودانية، تعني “اختانا” “غادرنا” أو “اتركنا وشأننا”، لكن في سياق هذه الحملة، تتحول الكلمة إلى أمر سياسي مباشر ومختصر: ارحل. بدلاً من الشعارات الطويلة، اختار المشاركون كلمة يومية مفهومة فوراً، وجهوها إلى البرهان بوصفه رأس السلطة في بورتسودان، محملين إياه مسؤولية الانقلاب على الحكم المدني، واستمرار القتال، والتدهور الاقتصادي، وإغلاق الطريق أمام الحلول السياسية.
تظهر البيانات أن الوسم بدأ يكتسب زخماً منذ 22 أكتوبر، ثم توسع خلال يومي 23 و24 أكتوبر على منصات إكس وفيسبوك، ليصل إلى بقية المواقع. شملت المشاركات تصاميم ومقاطع مصورة تطالب بوقف الحرب، ورحيل البرهان، وإنهاء الحكم العسكري، وفتح المجال أمام انتقال مدني. الأهمية السياسية للحملة تكمن في انتقال الخطاب من مجرد الاعتراض على نتائج الحرب، إلى مساءلة الشخص الذي يتصدر سلطة الأمر الواقع. فالمشاركون لا يتحدثون فقط عن ارتفاع الأسعار أو انهيار الخدمات، بل يربطون هذه المصائب مباشرة باستمرار البرهان في السلطة، ورفض الجيش تقديم تنازلات لوقف إطلاق النار.
الاقتصاد يغذي هذا الغضب الشديد، حيث أوقفت الحرب الإنتاج، وعطلت التجارة، ودفعت العملة المحلية إلى انهيار غير مسبوق، ليصل سعر الدولار إلى 10 آلاف جنيه في السوق الموازية. في المقابل، توجه سلطة بورتسودان جزءاً كبيراً من مواردها للإنفاق العسكري. جاءت هذه الحملة بالتزامن مع الذكرى الخامسة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، حين أطاح البرهان بالشراكة المدنية، وحل المؤسسات الانتقالية، واعتقل رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. هذا التوقيت يعيد رسم خط يربط بين الانقلاب والحرب، معتبراً أن تعطيل الانتقال المدني أدى إلى عودة نفوذ الإسلاميين وتصاعد القتال.
أثارت الحملة ردود فعل غاضبة من المعسكر المؤيد للجيش، حيث أطلق أنصار النظام السابق وسماً مضاداً بعنوان “تقعد فوق راسنا”. واتهمت منصات موالية للجيش مطلقي الحملة بالعمل لصالح قوات الدعم السريع وجهات خارجية. وذهبت إحدى المنصات إلى حد المطالبة باعتقال مروّجي الوسم ومحاكمتهم بتهم الخيانة والتآمر. يوضح هذا الرد عجز السلطة عن التعامل مع النقد السلمي، ومحاولتها تحويل المعارضة إلى جريمة أمنية. رغم أن الوسم وحده لن ينهي الحرب، إلا أنه يوثق تحولاً في المزاج العام، حيث لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية إنهاء القتال، بل امتد إلى أهلية من يديرونه للبقاء في الحكم. لقد سحب السودانيون الثقة من البرهان، بعد أن تحولت وعوده بالحكم المدني والأمن إلى حرب مفتوحة وتشريد لملايين المواطنين.



