حكم أوروبي يعيد فتح ملف مساعدات كورونا لشركة «كيه إل إم» بقيمة 3.4 مليار يورو
ألغت محكمة العدل الأوروبية حكمًا سابقًا بشأن مساعدات هولندا لشركة كيه إل إم بقيمة 3.4 مليار يورو، وأعادت جزءًا من النزاع إلى المحكمة العامة لاستكمال نظره.
أعادت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي فتح أحد الملفات القانونية المهمة المرتبطة بالدعم الحكومي لشركات الطيران خلال جائحة كورونا، بعدما أصدرت حكمًا جديدًا في النزاع المتعلق بالمساعدات المالية التي قدمتها هولندا لشركة «كيه إل إم» بقيمة 3.4 مليار يورو، في تطور يسلط الضوء على حدود تدخل الحكومات لإنقاذ الشركات خلال الأزمات، والضوابط التي يجب أن تخضع لها هذه المساعدات داخل السوق الأوروبية.
وقضت المحكمة، في حكم صدر يوم 5 نوفمبر 2026، بإلغاء حكم سابق للمحكمة العامة كان قد أبطل موافقة المفوضية الأوروبية على المساعدات الهولندية، كما أعادت القضية إلى المحكمة العامة لاستكمال بحث دفوع لم تفصل فيها من قبل. ولا يعني القرار أن المحكمة أغلقت النزاع بصورة نهائية أو أصدرت حكمًا نهائيًا في جميع جوانبه، بل حسمت نقطة قانونية تتعلق بكيفية تقييم المستفيد من الدعم الحكومي داخل مجموعة شركات الطيران.
تفاصيل المساعدات الهولندية لشركة كيه إل إم
بدأت القضية في عام 2020، عندما وافقت المفوضية الأوروبية على حزمة دعم قدمتها هولندا إلى شركة «كيه إل إم»، التي تنتمي إلى مجموعة «إير فرانس – كيه إل إم»، بهدف مساعدتها على مواجهة التداعيات المالية الحادة التي خلفتها جائحة كورونا على قطاع الطيران.
وتضمنت المساعدات ضمانًا حكوميًا لقرض مصرفي، إلى جانب قرض قدمته الدولة للشركة، ووصل إجمالي قيمتها إلى 3.4 مليار يورو. وجاء هذا الدعم في وقت تعرضت فيه شركات الطيران الأوروبية لضغوط غير مسبوقة بسبب القيود على السفر، وتراجع حركة الركاب، وإلغاء الرحلات، والارتفاع الكبير في الخسائر التشغيلية.
وكانت الحكومات الأوروبية قد لجأت خلال تلك الفترة إلى برامج دعم واسعة النطاق لمنع انهيار شركات استراتيجية والحفاظ على الوظائف واستمرار خدمات النقل الجوي. لكن هذه التدخلات أثارت في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مدى تأثيرها على المنافسة، خاصة عندما تحصل شركة على تمويل حكومي ضخم بينما لا تتاح الظروف نفسها لمنافسيها.
لماذا اعترضت رايان إير على القرار؟
اعترضت شركة «رايان إير» الأيرلندية على موافقة المفوضية الأوروبية على المساعدات، ودفعت بأن تحديد المستفيدين من الدعم لم يكن دقيقًا بما يكفي، خصوصًا في ظل الروابط الاقتصادية والإدارية بين «كيه إل إم» وشركة «إير فرانس» والشركة القابضة للمجموعة.
وكانت المحكمة العامة قد ألغت في مرحلة سابقة قرار المفوضية، معتبرة أن تحديد «كيه إل إم» وحدها باعتبارها المستفيد من المساعدات لم يكن مدعومًا بتفسير كافٍ يستبعد بقية الشركات المرتبطة بالمجموعة.
وأصدرت المفوضية قرارًا جديدًا في يوليو 2021، أكدت فيه أن «كيه إل إم» والشركات التابعة لها هي المستفيد من الدعم، دون بقية شركات المجموعة. لكن رايان إير طعنت مرة أخرى، وانتهت المحكمة العامة إلى إلغاء الموافقة الجديدة أيضًا، على أساس أن المفوضية أخطأت في استبعاد «إير فرانس» والشركة القابضة من نطاق المستفيدين.
ماذا قالت محكمة العدل الأوروبية في حكمها الجديد؟
نظرت محكمة العدل الأوروبية في الطعون المقدمة من المفوضية الأوروبية وشركة «كيه إل إم» وشركة «إير فرانس» والشركة القابضة للمجموعة. وخلصت إلى أن المحكمة العامة أخطأت قانونيًا عندما اعتبرت أن المفوضية ارتكبت خطأ واضحًا في تحديد «كيه إل إم» والشركات التابعة لها باعتبارها المستفيد من المساعدات.
وأوضحت محكمة العدل أن المحكمة العامة كان من حقها الاستناد إلى مفهوم «الوحدة الاقتصادية» عند تحديد المستفيد من الدعم، لكنها تجاوزت حدود رقابتها عندما أعادت تقييم عناصر الملف بنفسها، دون أن تثبت أن النتيجة التي توصلت إليها المفوضية كانت غير معقولة بصورة واضحة.
وتتمثل أهمية هذه النقطة في أن رقابة القضاء الأوروبي على قرارات المفوضية لا تعني بالضرورة أن يحل القاضي تقديره الاقتصادي محل تقدير الجهة المختصة، خصوصًا في الملفات التي تتطلب تقييمًا فنيًا للعلاقات الاقتصادية بين الشركات ومدى استقلالها الفعلي.
هل انتهى النزاع بشأن مساعدات كيه إل إم؟
لم ينته النزاع بالكامل. فالمحكمة ألغت حكم المحكمة العامة وأعادت القضية إليها للنظر في الدفوع القانونية الأخرى التي لم يتم الفصل فيها، لأن حالة الدعوى لا تسمح بإصدار حكم نهائي شامل من محكمة العدل في هذه المرحلة.
وبالتالي، لا يصح اعتبار الحكم بمثابة إقرار نهائي بصحة جميع جوانب المساعدات أو رفض كامل لاعتراضات رايان إير. ما حسمته المحكمة يتعلق بخطأ قانوني في تقييم المحكمة العامة لقرار المفوضية بشأن تحديد المستفيدين، بينما لا تزال هناك نقاط أخرى يتعين على المحكمة العامة بحثها.
انعكاسات الحكم على المنافسة داخل الاتحاد الأوروبي
يمتد أثر القضية إلى ما هو أبعد من شركتي «كيه إل إم» و«رايان إير»، لأنها تتصل بمبدأ أساسي في قانون المنافسة الأوروبي، وهو أن الدعم الحكومي لا ينبغي أن يمنح شركة ميزة غير مبررة على حساب منافسيها.
وفي المقابل، لا يمنع القانون الأوروبي الحكومات من التدخل لمساندة الشركات عند وقوع أزمات استثنائية، لكنه يضع شروطًا تتعلق بمدى توافق الدعم مع السوق الداخلية، وطبيعته، والجهات المستفيدة منه، ومدى تناسبه مع الهدف المعلن.
كما يوضح الحكم أن تحديد المستفيد من المساعدات داخل المجموعات الاقتصادية الكبيرة ليس مسألة شكلية؛ فقد تكون الشركات مرتبطة بعلاقات ملكية أو إدارة مشتركة، لكنها تتمتع في الوقت نفسه بدرجات مختلفة من الاستقلال الاقتصادي والمالي.
وتكمن أهمية هذا التمييز في منع توسيع نطاق المستفيدين من الدعم دون أساس كافٍ، أو استبعاد شركات قد تكون استفادت فعليًا من الأموال بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
خاتمة
يمثل حكم محكمة العدل الأوروبية تطورًا مهمًا في ملف مساعدات الطيران خلال جائحة كورونا، لكنه لا يغلق القضية بصورة نهائية. فقد أعاد رسم حدود الرقابة القضائية على التقدير الاقتصادي للمفوضية الأوروبية، وأكد ضرورة التمييز بين مراجعة مشروعية القرار واستبدال التقييم القضائي بالتقييم الفني للجهة المختصة. ومن المنتظر أن تستكمل المحكمة العامة نظر بقية الدفوع، بما يبقي النزاع مفتوحًا أمام مرحلة قضائية جديدة.



