
يقف المجتمع المصري أمام نقطة فاصلة في تاريخه التشريعي مع بزوغ ملامح قانون الأحوال الشخصية الجديد، الذي فتح ملف “الزواج العرفي”، منهياً تلك الظاهرة التي تعصف بحقوق الزوجات.
لا سيما أن ورقة الزواج هذه غير الموثقة تهدد حقوق الأبناء وتصادر حقوق العديد من النساء في البلاد.
فهل ستنجح النصوص القانونية الجديدة في توفير الحماية للأطراف الضعيفة مثل الزوجات والأبناء؟.
في السياق، أوضح الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد قد يسهم في تضييق المساحات التي سمحت بانتشار الزواج العرفي خلال السنوات الماضية.
إلا أنه أضاف في تصريحات للعربية.نت/الحدث.نت أنه لا يمكن اعتبار هذا القانون حلًا سحريًا ينهي الظاهرة بشكل كامل، لأن القضية أعمق من مجرد نصوص قانونية، وترتبط بتشابكات اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة فرضت نفسها على الواقع المصري خلال العقدين الأخيرين.

يهدد حقوق المرأة والطفل
كما أشار إلى “أن أخطر ما في الزواج العرفي لا يتعلق فقط بغياب التوثيق الرسمي، إنما بما يترتب عليه من هشاشة قانونية تهدد حقوق المرأة والطفل على وجه الخصوص، خاصة في حالات النزاع أو الإنكار أو إثبات النسب أو الحقوق المالية. واعتبر عضو مجلس حقوق الإنسان أن أي محاولة لإصلاح المنظومة التشريعية للأسرة هي خطوة ضرورية لحماية الاستقرار المجتمعي وليس فقط لتنظيم العلاقة بين الزوجين. ولفت إلى أن الدولة تتحرك حاليًا باتجاه بناء إطار قانوني أكثر وضوحًا يربط الحقوق والالتزامات بالتوثيق الرسمي، بما يقلل من حجم النزاعات الممتدة داخل المحاكم ويحافظ على الحقوق الأساسية للأطراف الأكثر هشاشة داخل الأسرة.

تحديات أخرى
إلى ذلك، أكد أن استمرار اللجوء إلى الزواج العرفي يكشف وجود تحديات أخرى لا تقل أهمية، على رأسها الضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف الزواج، وضعف الوعي القانوني، وأحيانًا محاولة بعض الأطراف التهرب من المسؤوليات المترتبة على الزواج الرسمي.
وشدد على أن أي معالجة حقيقية لهذا الملف يجب أن تقوم على مسارين متوازيين: الأول تشريعي يضمن حماية الحقوق ويغلق الثغرات، والثاني اجتماعي وثقافي يعيد تعزيز فكرة الأسرة المستقرة القائمة على المسؤولية والوضوح، لأن القوانين وحدها لا تكفي لإنهاء الظواهر المرتبطة بتحولات المجتمع.

“حق يراد به باطل”
من جانبه، رأى هاني الجمل، نائب مدير مركز تفكير للدراسات والشؤون السياسية، أن الزواج العرفي “حق يراد به باطل، فهو من المظاهر التي تهدد استقرار المجتمع المصري، خاصة أنه اتخذ أشكالاً ومسميات مختلفة مثل زواج التجربة والمساكنة، وصولاً لاستخدامه كغطاء شرعي لتجارة الرقيق الأبيض وبوابة لزيجات القصر، مما خلق أزمة في عالم المواريث وإثبات النسب التي لا يزال يتم التحايل عليها رغم تقنيات تحليل ال DNA.” واستعرض الجمل لغة الأرقام موضحاً أن الزواج العرفي شهد ارتفاعاً ملحوظاً عام 2017 ب 128 ألف عقد 13.7% من إجمالي الزيجات، قبل أن ينخفض إلى 98 ألف حالة في 2024 ، مرجعا انتشار الظاهرة إلى اعتراف بعض نجوم الفن والمجتمع بالزواج العرفي علانية، مما شجع الشباب على تقليدها ك “نزوات” في ظل غياب القدوات الإيجابية.
20 ألف قضية إثبات نسب
هذا وحذر من تبعات تلك القضايا التي بلغت نحو 20 ألف قضية إثبات نسب سنوياً، فضلاً عن خلافات أسرية وصلت لحد القتل، واستخدامه كستار لجرائم الفجور وهتك عرض القاصرات.
إلى ذلك أوضح أن القانون الجديد جاء ليسد الثقوب التي اعترت القوانين السابقة، والتي كانت تُستغل لخدمة مصالح شخصية مثل الاستمرار في تقاضي المعاشات دون وجه حق. وأشار إلى أن نص مشروع القانون يشدد على أن الزواج العرفي الذي يُعقد بعد سريان القانون لا يُعتد به قانوناً إلا إذا تم توثيقه رسمياً خلال 30 يوماً، وخلاف ذلك لن يترتب عليه أي أثر قانوني فيما يخص النفقة والميراث والحضانة، مما سيخلق وعياً بأن أي زواج غير موثق هو في حكم غير المصرح به
وختم الجمل حديثه بالإشارة إلى أن القانون يمنح مهلة لتقنين الأوضاع القائمة قبل نفاذه، عبر السماح للزوجين بإثبات الزواج بالشهود أو الوثائق وتوثيقه لاحقاً وفق شروط محددة. وأكد أن الحوار المجتمعي المكثف الذي تقوده الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني يهدف للوصول إلى صيغة توافقية تمنع الالتفاف على مواد القانون، وتضمن استقرار الأسرة بما لا يخالف الشرائع السماوية.
