
يحصل المزارعون في حزام الحبوب بشمال شرق الصين على دعم غير متوقع من الحكومة عبر المزيد من الإعانات لزراعة فول الصويا، كجزء من جهد وطني يُقدّر بتريليون دولار لإعلان الاستقلال الاقتصادي عن الولايات المتحدة. على بعد أكثر من 7,500 ميل، تسعى شركة متخصصة في تصنيع الأجزاء الصناعية لتقليل استخدام المكونات الصينية الصنع في مصانعها الأمريكية.
تستمد القوى الكامنة وراء هذين الاتجاهين قوتها من واقعٍ يترسخ في واشنطن وبكين، فقد بدأت الدولتان في إدارة انفصالٍ معقد حول أكثر قضايا التجارة حساسية، وينظر كلٌ منهما إلى تنافسهما الاقتصادي باعتباره مسألة أمنٍ قومي.
وبينما لا يرغب أي من الجانبين في إنهاء التبادل التجاري بين الاقتصادين، “بات التنافس الشديد مع الولايات المتحدة المحرك الرئيسي للاستراتيجية الاقتصادية الصينية المصممة على تحقيق التفوق”، كما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”.
فك الارتباط
وفق السجلات الرسمية، خصصت بكين ما يقارب تريليون دولار منذ مطلع عام 2024 لبناء الاكتفاء الذاتي في مجالات الزراعة والطاقة وأشباه الموصلات التي تدعم برنامجها للذكاء الاصطناعي. وقد ساهمت هذه الاستراتيجية بالفعل في تحويل الصين إلى قوة عظمى في قطاعات مثل الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية.
في المقابل، قالت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 لإدارة ترامب إن الولايات المتحدة ستعمل على “استعادة الاستقلال الاقتصادي الأمريكي”، وأن التجارة مع الصين “يجب أن تكون متوازنة وتركز على العوامل غير الحساسة”. حيث يسعى البيت الأبيض إلى كسر الاعتماد على السلع الاستراتيجية المنتجة في الصين، مثل المعادن الأرضية النادرة اللازمة للإلكترونيات والمعدات العسكرية.
وفيما تكتسب هذه الجهود زخمًا متزايدًا نظرًا للقيود التي تفرضها بكين على تصدير هذه المواد، أعلنت إدارة ترامب الأربعاء أنها وافقت على العمل مع اليابان والمكسيك والاتحاد الأوروبي بشأن تطوير تلك المعادن، بما في ذلك إنشاء “مناطق تجارية تفضيلية” بين الدول الحليفة لمواجهة هيمنة الصين.
ورغم أنه، باعتباره أكبر مستهلك في العالم، ستظل أمريكا مصدرًا هائلًا للطلب على السلع الصينية – المنتج المهيمن عالميًا – إلا أن حتى انخفاضًا طفيفًا في كمية السلع التي تشتريها الولايات المتحدة من الصين سيؤثر بشكل كبير على كلا الاقتصادين.
وقد بدأت تعريفات ترامب الجمركية في رفع أسعار بعض السلع الاستهلاكية، على الرغم من أن معدل التضخم العام ظل مستقرًا نسبيًا، حيث انخفضت حصة الصين من الواردات الأمريكية إلى حوالي 7.5٪ بحلول أواخر عام 2025، وفقًا لمؤسسة “جولدمان ساكس”، مما أدى إلى محو أكثر من عقدين من النمو بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001.
فول الصويا
بدأت آثار فك الارتباط تظهر بالفعل، حيث نقلت بعض الشركات إنتاجها من الصين إلى الولايات المتحدة لتجنب الرسوم الجمركية، لكن هذا التدفق لا يزال محدودًا. وتُعدّ المكسيك ودول جنوب شرق آسيا وجهات أكثر شيوعًا للمصنّعين الذين يغادرون الصين.
ووفقًا لشبكة مناصرة ونمو التصنيع، وهي منظمة غير ربحية أجرت الاستطلاع، فإن حوالي 60% من عمليات إعادة التوطين في عام 2025 نُقلت من الصين.
مع ذلك، لعلّ فول الصويا هو الورقة الجيوسياسية الأهم في التجارة الحديثة بين البلدين. فرغم اكتفاء الصين ذاتيًا من المحاصيل الأساسية كالرز والقمح، إلا أن صناعات ضخمة فيها لا تزال تعتمد على فول الصويا المستورد لأكثر من 80% من أعلافها.
وحوّلت بكين في السنوات الأخيرة جزءًا من مشترياتها من فول الصويا من الولايات المتحدة إلى البرازيل والأرجنتين، وهي الآن تُحفّز بشكل متزايد الإنتاج محليًا، حتى مع تمسكها بالتزامها بشراء 25 مليون طن سنويًا من فول الصويا من الولايات المتحدة كركيزة تكتيكية للهدنة التجارية الحالية.
