
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، موقفه من استقالة مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، في وقت تتصاعد فيه تداعيات الحرب مع إيران، إذ جاءت الاستقالة مصحوبة بتصريحات حادة وانتقادات مباشرة للسياسات العسكرية الأمريكية التابعة لإسرائيل، ما أثار ردودًا متباينة داخل الإدارة الأمريكية.
خلفية الاستقالة
استقال مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب جو كينت، الذي يقدم المشورة لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومدير المخابرات الوطنية، بشأن التهديدات الإرهابية، على خلفية الحرب مع إيران.
في رسالة استقالة نشرها على موقع “إكس”، أوضح كينت، أنه لا يستطيع بضمير مرتاح دعم الحرب المستمرة، وأن قراره جاء بعد تفكير عميق، مؤكدًا أن إيران لم تُشكل أي تهديد وشيك للولايات المتحدة، وأن الحرب بدأت نتيجة ضغوط من إسرائيل وجماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها.
وأشار “كينت” إلى تعهدات ترامب السابقة بإنهاء التدخل الأمريكي في الخارج، قائلًا، إن الحروب في الشرق الأوسط كانت فخًا سلب الولايات المتحدة أرواح جنودها واستنزف ثروتها وازدهارها.
ويحمل مفهوم التهديد الوشيك دلالة كبيرة، كونه شرطًا أساسيًا يسمح للرؤساء الأمريكيين بشن هجمات عسكرية دون موافقة الكونجرس، وفقًا للقانون الأمريكي، كما يعد ذا أهمية في القانون الدولي.
رد ترامب
رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاستقالة بعد وقت قصير، وصرّح للصحفيين بأنه لطالما اعتقد أن كينت ضعيف في مجال الأمن، وأنه لا يعرفه جيدًا، رغم وصفه له سابقًا بأنه رجل لطيف.
ورشح ترامب كينت لتولي هذا المنصب الذي استقال منه اليوم، بعد أن أيّد سابقًا حملته الانتخابية غير الناجحة لمجلس النواب الأمريكي، إذ كان سابقًا جنديًا في قوات رينجرز التابعة للجيش الأمريكي وعضوًا في القوات الخاصة الأمريكية، إذ شارك في 11 مهمة قتالية بالشرق الأوسط، قُتلت زوجته في عملية انتحارية نفذها تنظيم داعش في سوريا عام 2019.
وأضاف ترامب، أن من الجيد أن كينت رحل، لأنه اعتبر أن إيران لا تُشكل تهديدًا، مؤكدًا أن إيران كانت تهديدًا وأن جميع الدول تدرك مدى خطورتها.
وخلال اجتماع في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن، في عيد القديس باتريك، كرر ترامب موقفه، مشددًا على أنه لا مكان في إدارته لمن يشككون في تقييم التهديد الإيراني.
ردود رسمية
ردت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، على تصريحات كينت، معتبرة أن رسالته تضمنت العديد من الادعاءات الكاذبة، وركزت على نفي قوله إن إيران لم تُشكل تهديدًا وشيكًا.
وأضافت أن إيران تعد الدولة الرائدة عالميًا في رعاية الإرهاب، وأن النظام الإيراني قتل أمريكيين وهدد الولايات المتحدة علنًا، مشيرة إلى ما وصفته بعملية الغضب الملحمي.
كما أوضحت أن إيران كانت تعمل على توسيع ترسانتها من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى وتعزيز قدراتها البحرية، بهدف تحقيق حصانة تمكنها من استخدام هذه القدرات كوسيلة ردع واحتجاز.
انتقادات داخلية
اعتبر تايلور بودوفيتش، نائب رئيس أركان البيت الأبيض السابق، أن استقالة كينت جاءت كخطوة استباقية قبل إقالته، ووجه له انتقادات حادة، وقال إن كينت كان مهووسًا بجنون العظمة، وكان في قلب تسريبات الأمن القومي، متهمًا إياه بعدم القيام بعمل فعلي وتقويض سلسلة القيادة وإضعاف الرئيس.
ووصف استقالته بأنها ليست مبدئية، بل محاولة لإثارة الجدل قبل الإقالة، مُنتقدًا أداءه بشكل مباشر، فيما ذكرت مصادر لشبكة “فوكس نيوز”، أن مديرة المخابرات الوطنية تولسي جابارد لم تقم بفصل كينت رغم اقتراح من البيت الأبيض.
ووصف مسؤول كبير في الإدارة كينت، بأنه مسرب معروف، مشيرًا إلى أنه تم استبعاده من جلسات الإحاطة الاستخباراتية للرئيس منذ أشهر، ولم يشارك في مناقشات التخطيط المتعلقة بإيران.
وفي فبراير، أشار مكتب مدير المخابرات الوطنية إلى كينت بالاسم عند تسليط الضوء على الدور المهم للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب في نقل سبعة آلاف وخمسمائة معتقل من تنظيم داعش من سوريا إلى العراق.
وأصدر مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، بيانًا، ينتقد فيه كينت ولكنه يدعم الأسباب الكامنة وراء استقالته.
قال وارنر: “أختلف بشدة مع العديد من المواقف التي تبناها على مر السنين، لا سيّما تلك التي تُهدد بتسييس مجتمع الاستخبارات لدينا. لكن في هذه النقطة، هو مُحق: لم يكن هناك دليل موثوق على وجود تهديد وشيك من إيران يُبرر دفع الولايات المتحدة إلى حرب أخرى من اختيارها في الشرق الأوسط”.
مزاعم ترامب
كان كينت من أشدّ المؤيدين لترامب وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، وتُمثّل استقالته أول رحيلٍ بارزٍ خلال الولاية الثانية للرئيس بسبب قضية سياسية رئيسية، وأثار بعض المشرّعين والخبراء شكوكًا حول المعلومات الاستخباراتية التي استخدمها الرئيس لتبرير الحرب، ومن شأن رحيل مسؤول استخباراتي بارز أن يزيد من التدقيق في موقف الإدارة، وفق “سي إن إن”.
وذكرت “سي إن إن”، إن مزاعم ترامب بأن إيرن تُمثل “تهديد وشيك” للولايات المتحدة، تم تناقضها في إحاطات البنتاجون إلى الكابيتول هيل، إذ قال مسؤولو الدفاع، إن إيران لم تكن تخطط للهجوم إلا إذا تعرضت للضرب أولًا.
وتعكس استقالته حالة من عدم الارتياح داخل قاعدة ترامب بشأن الحرب، وتُظهر أن التساؤلات حول مبررات استخدام القوة في إيران تمتد لتشمل على الأقل عضوًا بارزًا واحدًا في إدارة ترامب الجمهورية، وهو تغيير قيادي في أحد أهم مكاتب مكافحة الإرهاب بالبلاد في وقت يتزايد فيه القلق بشأن الإرهاب في الوطن الأم في أعقاب الهجمات الأخيرة على كنيس يهودي في ميشيجان وجامعة فيرجينيا، وفق وكالة “أسوشيتدبرس”.
وقدّم ترامب أسبابًا متضاربة للضربات، ورفض مزاعم إجبار إسرائيل الولايات المتحدة على التحرك، وأشار رئيس مجلس النواب مايك جونسون، إلى أن البيت الأبيض كان يعتقد أن إسرائيل مصممة على التحرك بمفردها، ما وضع الرئيس الجمهوري أمام “قرار بالغ الصعوبة”.
