
حادثة طعن بلفاست.. شرارة أطلقت موجة غضب غذتها سنوات من الاحتقان
تحولت حادثة طعن وقعت في مدينة بلفاست بأيرلندا الشمالية إلى شرارة أشعلت موجة من الاضطرابات وأعمال العنف ذات الطابع العنصري، بعدما استغل ناشطون يمينيون متطرفون ومستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي الحادثة لتوجيه الغضب الشعبي نحو المهاجرين واللاجئين، وفق مراقبين وحقوقيين.
وكانت الشرطة قد أعلنت توقيف لاجئ سوداني يبلغ من العمر 30 عامًا، وتوجيه تهمة الشروع في القتل إليه، على خلفية هجوم بسكين استهدف المواطن ستيفن أوجيلفي في أحد شوارع شمال بلفاست، ما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، بينها فقدان إحدى عينيه.
ورغم سرعة تحرك السلطات القضائية، فإن تداعيات الحادثة تجاوزت إطارها الجنائي، لتتحول إلى موجة من أعمال الانتقام الجماعي استهدفت أفرادًا وعائلات من خلفيات مهاجرة لا علاقة لهم بالواقعة، وفقًا لما أوردته صحيفة “ذا جارديان” البريطانية.
تصاعد خطاب التحريض
في الساعات التي أعقبت الهجوم، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل غاضبة تدعو إلى التحرك ضد المهاجرين، فيما جرى تداول دعوات للتجمع في عدة مناطق من المدينة وإغلاق الطرق.
ويرى مراقبون أن الخطاب الذي روّج له ناشطون من اليمين المتطرف وبعض الشخصيات العامة ساهم في ربط الجريمة بقضايا الهجرة واللجوء، عبر تصوير المهاجرين بوصفهم مصدرًا للتهديد الأمني والاجتماعي.
كما تعرضت شخصيات سياسية لانتقادات بسبب تصريحات اعتُبرت تصعيدية، إذ ربطت الحادثة بما وصفته بـ”استيراد ثقافات غريبة”، الأمر الذي غذّى مشاعر الغضب لدى بعض المحتجين.
استهداف للمهاجرين
ومع حلول مساء اليوم التالي، بدأت مجموعات من الشبان بالتجمع في عدة أحياء، قبل أن تتطور بعض التجمعات إلى أعمال شغب استهدفت منازل ومحال تجارية ومركبات تعود لأشخاص من أصول مهاجرة.
وأفادت تقارير محلية بتعرض منازل للحرق والتخريب في أحياء مختلفة من بلفاست، بينما أُضرمت النيران في حافلات ومركبات، وسط انتشار أمني واسع وتحليق للمروحيات فوق المناطق المتضررة.
كما أغلقت متاجر يملكها مهاجرون من أصول عربية وإفريقية أبوابها مبكرًا خشية التعرض لهجمات، في حين دعا المركز الإسلامي في بلفاست أفراد الجالية إلى البقاء في منازلهم حفاظًا على سلامتهم.
وامتدت أعمال العنف إلى مناطق أخرى خارج المدينة، ما استدعى تدخل فرق الإطفاء التي تلقت مئات البلاغات وتعاملت مع عشرات الحوادث خلال ساعات قليلة.
مفارقة إحصائية
رغم الخطاب الذي يربط بين الهجرة وارتفاع معدلات الجريمة، تشير البيانات الرسمية إلى أن معدل الجرائم في أيرلندا الشمالية انخفض خلال العام الماضي بنسبة 3.3%، مسجلًا أدنى مستوى له منذ عام 1998.
في المقابل، سجلت جرائم الكراهية والحوادث ذات الدوافع العنصرية أعلى مستوياتها منذ بدء توثيقها رسميًا عام 2004، ما يعكس تنامي ظاهرة استهداف الأقليات العرقية والإثنية.
أعمق من حادثة فردية
نقلت الصحيفة البريطانية عن أكاديميين وناشطين حقوقيين قولهم إن “أعمال الشغب الأخيرة لم تكن نتيجة مباشرة لحادثة الطعن فحسب، بل جاءت في سياق تراكمات سياسية واجتماعية مرتبطة بأزمة السكن، والتوترات الاقتصادية، وتصاعد الخطابات الشعبوية المعادية للمهاجرين”.
وأكد مسؤولون في منظمات حقوقية أن ما شهدته بلفاست يمثل حلقة جديدة في سلسلة من أعمال العنف العنصري التي شهدتها أيرلندا الشمالية خلال الأعوام الأخيرة، محذرين من أن استمرار خطاب التحريض وتحويل المهاجرين إلى “كبش فداء” للأزمات الداخلية قد يؤدي إلى مزيد من الانقسام المجتمعي والتوترات الأمنية.
