أحدثت السيطرة الميدانية المفاجئة لجماعة أنصار الله الحوثيين على أرخبيل حنيش، بما يشمله من حنيش الكبرى والصغرى وزقر، إلى جانب مدينة وميناء المخا وجزيرة ميون، تحولًا عسكريًا وجيوسياسيًا مهمًا في جنوب البحر الأحمر، أعاد رسم خريطة النفوذ حول مضيق باب المندب، ورفع مستوى المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة الدولية وحركة التجارة والطاقة عبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

أهمية استراتيجية:

تشكّل جزيرتا حنيش الكبرى والصغرى وجزيرة ميون “بريم” نقاطًا رئيسية في الاستراتيجية البحرية اليمنية في جنوب البحر الأحمر، إذ يمنح الموقع الجغرافي لهذه الجزر الطرف المسيطر عليها قدرة متقدمة على مراقبة خطوط الملاحة الدولية والتأثير في حركة السفن العابرة لمضيق باب المندب.

على النحو التالي:

1- جزيرة ميون “بريم”: تعد جزيرة ميون النقطة الأكثر حساسية في الممر المائي، لوقوعها في قلب مضيق باب المندب مباشرة، حيث يقسم موقعها المضيق إلى قناتين، هما: القناة الشرقية “المندب الصغير”، وهي الأقرب إلى الساحل اليمني والأضيق نسبيًا. والقناة الغربية “دقة المايون”، وهي الأوسع وتمثل الممر الرئيسي المستخدم في حركة السفن التجارية وناقلات النفط.

ونظرًا لموقع الجزيرة في قلب المضيق، تتيح السيطرة العسكرية عليها إمكانات واسعة للرصد البصري والراداري لحركة السفن المارة، فضلًا عن إمكانية استخدامها كنقطة تمركز للأنظمة الصاروخية ووسائل الاستطلاع والمراقبة البحرية، كما يمثل موقع الجزيرة نقطة متقدمة يمكن استخدامها في إنشاء مرافق عسكرية ومحطات استطلاع ورادارات لمتابعة حركة الملاحة من وإلى خليج عدن والبحر الأحمر.

2- أرخبيل حنيش “الكبرى والصغرى”: يقع أرخبيل حنيش إلى الشمال من مضيق باب المندب، قبالة الساحل الغربي لليمن وفي مواجهة الساحل الإريتري، وتتجلى أهميته الاستراتيجية في عدد من النقاط، كالتالي:

(–) خط دفاع وإنذار متقدم لباب المندب: إذ يمكن للجزر أن تعمل كنقاط مراقبة متقدمة للمقاربات الشمالية للمضيق ومتابعة الخطوط البحرية المؤدية إلى موانئ الساحل الغربي اليمني.

(–) العمق العملياتي واللوجستي: تتيح الطبيعة الجغرافية للجزر استخدامها كنقاط دعم وتمركز ومراكز للإنزال والإمداد.

(–) نقاط تمركز للزوارق والوسائل البحرية: وهو ما يرفع من أهميتها في أي عمليات تستهدف مراقبة الملاحة أو تهديدها.

(–) مراقبة الممرات الملاحية: تقع حنيش الكبرى والصغرى بالقرب من خطوط الملاحة القادمة من شمال البحر الأحمر والمحاذية للساحل الإفريقي، ما يمنحها أهمية خاصة في معادلة تأمين الممرات البحرية الإقليمية.

(–) الثروة البحرية والموارد: تحيط بالأرخبيل مناطق غنية بمصايد الأسماك، وهو ما كان أحد أبعاد النزاع اليمني-الإريتري الذي اندلع في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يحسم التحكيم الدولي عام 1998 السيادة على مجموعة زقر-حنيش لصالح اليمن، مع الإبقاء على نظام الصيد التقليدي للصيادين اليمنيين والإريتريين.

3- الجزر في ميزان القوى الإقليمي والدولي: يشكل التكامل الجغرافي بين جزر حنيش وميون نطاقًا استراتيجيًا مهمًا حول المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يمنح الطرف المسيطر عليها قدرة أكبر على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بباب المندب، ويحول هذه الجزر، في أوقات الأزمات والصراعات الإقليمية، إلى أوراق ضغط ذات قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي.

تطور الاستخدام العسكري والسياسي:

شكّل الموقع الاستراتيجي لجزيرة ميون وأرخبيل حنيش عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر أحد محاور التنافس الإقليمي والدولي منذ القرن التاسع عشر وحتى الوقت الحاضر. ولعبت هذه الجزر أدوارا مختلفة في تشكيل المعادلة العسكرية والأمنية للمنطقة عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وهذا على النحو التالي:

1. حارسة باب المندب “ميون-بريم”: تمثل جزيرة ميون إحدى أهم نقاط التحكم الجغرافي في مضيق باب المندب، ولذلك ارتبط تاريخها العسكري والسياسي بالصراع على طرق التجارة والممرات البحرية.

2. الحقبة الاستعمارية والصراع الدولي: أعادت بريطانيا احتلال جزيرة ميون عام 1857 في ظل تنامي أهمية الطريق البحري إلى الهند والاستعدادات المرتبطة بإنشاء قناة السويس، وأقامت فيها لاحقًا منارة ومرافق لخدمة الملاحة والسفن. واستمر الوجود البريطاني حتى عام 1967، عندما انتقلت الجزيرة إلى اليمن الجنوبي عقب انتهاء الوجود البريطاني في عدن. وخلال الحرب العالمية الأولى اكتسب موقع الجزيرة أهمية إضافية في إطار الصراع البريطاني-العثماني على جنوب البحر الأحمر وباب المندب، لتتحول إلى نقطة مراقبة متقدمة للممر البحري.

3. حرب أكتوبر والصراع العربي-الإسرائيلي “1973”: برزت الأهمية الاستراتيجية لباب المندب بصورة واضحة خلال حرب أكتوبر، عندما شاركت مصر، بالتنسيق مع اليمن الجنوبي، في فرض حصار على حركة الملاحة الإسرائيلية المتجهة من وإلى ميناء إيلات. وانتشرت وحدات بحرية مصرية في منطقة باب المندب لمراقبة حركة السفن، بالتوازي مع الدور الذي لعبه اليمن الجنوبي في تأمين المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو ما أكد عمليًا القيمة الاستراتيجية للمضيق في الصراع الإقليمي.

4. الحرب اليمنية والتجاذبات الإقليمية: مع تصاعد الحرب في اليمن خلال عام 2015، امتد الصراع إلى جزيرة ميون ومحيط باب المندب، قبل أن تستعيد القوات المناهضة للحوثيين، والمدعومة من التحالف العربي، السيطرة على الجزيرة في أكتوبر 2015، في إطار العمليات الرامية إلى تأمين المضيق والساحل الغربي.

5. التطورات الحديثة: شهدت الجزيرة خلال السنوات التالية إنشاء مدرج جوي ومنشآت عسكرية ومرافق للمراقبة، بما يعكس استمرار أهميتها في معادلة السيطرة على باب المندب وتأمين حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر.

6. العمق الأمني للبحر الأحمر.. أرخبيل حنيش: يقع الأرخبيل إلى الشمال من باب المندب، وارتبطت أهميته تاريخيا بالسيطرة على خطوط الملاحة والمصايد والمياه المحيطة بالساحلين اليمني والإريتري.

7. النزاع اليمني-الإريتري “1995”: شهد ديسمبر 1995 مواجهات عسكرية بين اليمن وإريتريا حول جزيرة حنيش الكبرى، وانتهت بسيطرة القوات الإريترية على الجزيرة، قبل أن يتفق البلدان على إحالة النزاع إلى التحكيم الدولي. وفي 9 أكتوبر 1998، صدر حكم هيئة التحكيم الذي أقر السيادة اليمنية على مجموعة زقر-حنيش، بما فيها حنيش الكبرى والصغرى وزقر، مقابل تثبيت السيادة الإريترية على عدد من الجزر والصخور الواقعة إلى الجنوب الغربي، مع الحفاظ على حقوق الصيد التقليدية للصيادين من البلدين.

8. الصراع المسلح في اليمن “2014- الوقت الحاضر”: بعد سيطرة جماعة أنصار الله الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014 واتساع نطاق الصراع خلال عام 2015، أصبحت جزر جنوب البحر الأحمر جزءا من خريطة المواجهة العسكرية. وفي ديسمبر 2015، استعادت القوات المناهضة للحوثيين أرخبيل حنيش، وتحولت الجزر خلال السنوات التالية إلى نقاط تمركز ومراقبة للقوات اليمنية المناهضة للجماعة، في إطار تأمين الساحل الغربي ومقاربات باب المندب. إلا أن التطورات العسكرية في سبتمبر 2026 أعادت تغيير المشهد بصورة كبيرة، بعد تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم على المخا وميون وزقر وحنيش الكبرى والصغرى، بما أعاد تشكيل ميزان القوى في جنوب البحر الأحمر.

اتجاهات الموقف الإقليمي والدولي:

أثارت السيطرة السريعة للحوثيين على مدينة وميناء المخا وجزيرة ميون وأرخبيل حنيش مخاوف إقليمية ودولية واسعة، بالنظر إلى ارتباط هذه المناطق مباشرة بأمن مضيق باب المندب وحركة الملاحة في البحر الأحمر، خاصة في ظل حالة التصعيد الإقليمي الراهنة، ويمكن رصد تطورات الموقفين الإقليمي والدولي كالتالي:

1- الحكومة اليمنية: مثل فقدان المخا والجزر الاستراتيجية ضربة عسكرية وسياسية للقوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا والقوى المناهضة للحوثيين في الساحل الغربي، ودفعها إلى إعادة ترتيب مواقعها وقواتها في محاولة لوقف التقدم الحوثي ومنع تثبيت واقع عسكري جديد حول باب المندب.

2- المملكة العربية السعودية: تنظر الرياض بقلق إلى التوسع الحوثي في جنوب البحر الأحمر، خاصة في ظل ارتباط أمن باب المندب بأمن صادرات الطاقة السعودية وحركة الملاحة في البحر الأحمر. وتزداد حساسية هذا التطور مع تجدد الهجمات الحوثية على أهداف ومنشآت داخل المملكة خلال سبتمبر 2026.

3- الموقف المصري: يمثل أمن باب المندب جزءًا رئيسيًا من معادلة الأمن القومي المصري وأمن البحر الأحمر، نظرًا إلى الارتباط المباشر بين حركة الملاحة عبر المضيق وحركة السفن المتجهة إلى قناة السويس. ومن ثم، فإن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق ينعكس على أمن الملاحة والتجارة العابرة للبحر الأحمر وقناة السويس.

4- إريتريا ودول القرن الإفريقي: تتابع إريتريا وجيبوتي بصورة مباشرة التحولات العسكرية المقابلة لسواحلهما، لما قد يترتب عليها من تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في نشاط موانئ القرن الإفريقي.

5- إيران: يمثل التقدم الحوثي في الساحل الغربي مكسبًا استراتيجيًا إضافيًا لطهران في معادلة النفوذ الإقليمي، في ظل الدعم الإيراني المعروف للجماعة، وما يمنحه الانتشار الحوثي قرب باب المندب من قدرة أكبر على ممارسة الضغط في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

6- الولايات المتحدة والدول الغربية: تنظر القوى الغربية إلى التطورات من زاوية حماية حرية الملاحة ومنع تعرض السفن التجارية للخطر، خاصة أن البحر الأحمر شهد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الهجمات على السفن، الأمر الذي أدى بالفعل إلى تحويل جزء من حركة التجارة العالمية بعيدًا عن البحر الأحمر.

7- الأمم المتحدة: تزيد التطورات العسكرية الجديدة من تعقيد جهود التسوية السياسية في اليمن، كما ترفع المخاوف الإنسانية في ظل موجات النزوح الناتجة عن القتال على الساحل الغربي، وتضيف تحديًا جديدًا إلى مساعي إعادة الأطراف اليمنية إلى مسار التفاوض.

8- الصين وروسيا: يرتبط موقف البلدين بأهمية الحفاظ على استقرار خطوط التجارة الدولية ومنع اتساع نطاق المواجهة في البحر الأحمر، خاصة في ظل الأهمية الكبيرة لهذا الطريق بالنسبة إلى حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

تداعيات محتملة:

ثمة تداعيات أحدثتها سيطرة الحوثيون على هذه المناطق، يمكن رصدها كالتالي:

1. تقويض جهود السلام الأممية والإقليمية: تمثل التطورات العسكرية الأخيرة ضربة جديدة لجهود التسوية وخارطة الطريق التي عملت عليها الأمم المتحدة والأطراف الإقليمية خلال السنوات الماضية. فالسيطرة على الجزر والمنافذ البحرية الحاكمة تنقل الصراع من التفاوض حول الملفات الإنسانية والاقتصادية إلى محاولة فرض واقع عسكري وجيوسياسي جديد بالقوة. كما تضع هذه التطورات الحكومة اليمنية والقوى المناهضة للحوثيين في موقف تفاوضي أكثر تعقيدًا، بعد فقدان مواقع استراتيجية على الساحل الغربي وفي محيط باب المندب.

2. نقل الأزمة اليمنية من نطاقها المحلي إلى قلب الصراع الإقليمي: تمنح السيطرة الحوثية على أرخبيل حنيش وميون الجماعة قدرة أكبر على التأثير في أمن البحر الأحمر، كما تضيف بُعدًا جديدًا إلى العلاقة بين الصراع اليمني والتوتر الإقليمي المرتبط بإيران. وتزداد خطورة هذا التطور في ظل التوتر المتزامن حول مضيق هرمز، بما يجعل أمن الممرين البحريين جزءًا من معادلة واحدة ترتبط بحركة النفط والتجارة الدولية.

3. تحويل الجزر إلى منصات عسكرية متقدمة: قد يؤدي تثبيت الوجود الحوثي في الجزر إلى تحويلها إلى نقاط متقدمة للمراقبة والاستطلاع وتمركز الزوارق والطائرات المسيرة والأسلحة المضادة للسفن، وهو ما يرفع مستوى المخاطر المحيطة بحركة الملاحة ويزيد احتمالات الاحتكاك العسكري مع القوى الدولية الموجودة في البحر الأحمر.

4. تعقيد الموقف السعودي والخليجي: كانت المملكة العربية السعودية قد تحركت خلال السنوات الماضية باتجاه خفض التصعيد في اليمن والوصول إلى تسوية تقلل المخاطر على حدودها الجنوبية. إلا أن عودة الهجمات الحوثية على أهداف داخل المملكة، بالتزامن مع توسع الجماعة في الساحل الغربي والجزر الاستراتيجية، تفرض على الرياض معادلة أكثر تعقيدًا بين استمرار المسار السياسي ومتطلبات التعامل مع التهديدات العسكرية والأمنية الجديدة.

5. استمرار قنوات الاتصال رغم التصعيد: على الرغم من التصعيد العسكري، تشير التحركات الدبلوماسية إلى استمرار محاولات فتح قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة بهدف احتواء التصعيد ومنع امتداده إلى مستويات أوسع، خاصة في ظل المخاوف من انعكاس التوتر على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.

6. تأجيج الصراعات الداخلية بدلًا من التسوية: قد تدفع السيطرة الحوثية الجديدة القوى المناهضة للجماعة إلى إعادة تنظيم صفوفها وفتح جبهات مضادة في الساحل الغربي أو مناطق أخرى، الأمر الذي قد يؤدي إلى جولة جديدة من المواجهات العسكرية ويؤخر فرص العودة إلى تسوية سياسية مستقرة.

في النهاية، يمكن القول إن سيطرة الحوثيين على المخا وميون وأرخبيل حنيش، أحدثت تحولًا نوعيًا في خريطة الصراع اليمني، لأن الأمر لم يعد مرتبطًا فقط بالسيطرة على مناطق جديدة داخل اليمن، وإنما بالتمركز حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ومن ثم، فإن خطورة هذا التحول ترتبط بقدرة الحوثيين على تثبيت وجودهم العسكري في هذه المواقع وتحويلها إلى أدوات ضغط في معادلة الأمن البحري الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، فإن التطورات الجديدة تُزيد من تعقيد فرص التسوية السياسية، وتربط بصورة أكبر بين مستقبل الصراع اليمني والتوازنات الإقليمية والدولية المحيطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة ليس فقط بمسار المواجهة داخل اليمن، وإنما أيضًا بكيفية تعامل القوى الإقليمية والدولية مع واقع أمني جديد يتشكل عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.