منذ أن انطلقت صيحات الملايين في 30 يونيو عام 2013، لم تكن مصر فقط تسترد قرارها الوطني، بل كانت تمهد لطريق جديد تحت شعار البناء والتنمية، فعلى مدار 13 عامًا، تغيرت ملامح الدولة على نحو جذري، وكان من أبرز التحولات مشروع التوسع العمراني العملاق، الذي تمثل في مدن الجيل الرابع، بوصفه محورًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية، وضمان استيعاب الزيادة السكانية، وجذب الاستثمارات، واللحاق بركب المدن الذكية في العالم.

وبالتوازي، قادت الدولة المصرية، برؤية ثاقبة من القيادة السياسية، معركة التنمية من خلال مشروعات ضخمة في البنية التحتية، والإسكان، وتنمية الصعيد، ومبادرات الريف المصري، حتى باتت هذه المشروعات مرآة واضحة لثمار التغيير بعد الثورة، وحجر الزاوية في بناء الجمهورية الجديدة.

مدن الجيل الرابع

على مدار الأعوام الماضية، أولت الدولة المصرية اهتمامًا خاصًا بإنشاء التجمعات العمرانية الجديدة بهدف تخفيف الازدحام عن المدن القديمة، ومجابهة الزيادة السكانية المطردة، كما يجري تنفيذ العديد من مشروعات الإسكان، والبنية الأساسية، والخدمات، في مناطق توسعات التجمعات العمرانية القائمة.

وتعد مدن الجيل الرابع إحدى أكبر القفزات العمرانية في تاريخ مصر الحديث، فقد أسهمت هذه المدن في مضاعفة الرقعة المعمورة من 7% إلى 14%، عبر إطلاق 37 مدينة جديدة على مراحل، بدأت عام 2018، بحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري.

ولم تكن هذه المدن مجرد استجابة للزيادة السكانية، بل مثّلت استراتيجية للهروب من التكدس القاتل في القاهرة الكبرى والدلتا، وإعادة توزيع السكان في مراكز حضارية جديدة، ذكية ومستدامة.

وتشمل أبرز هذه المدن: “العاصمة الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، والجلالة، والإسماعيلية الجديدة، وشرق بورسعيد، وحدائق أكتوبر، وغرب قنا، وناصر غرب أسيوط، وتوشكى الجديدة، وشرق ملوي، والفشن الجديدة”.

وتم تنفيذ عشرات الآلاف من الوحدات السكنية في هذه المدن، ما بين فيلات، وإسكان فاخر، وإسكان مختلط، منها أكثر من 34 ألف وحدة في العاصمة الجديدة وحدها، و35 ألف وحدة بمدينة العلمين الجديدة، وأكثر من 1500 فيلا في أسوان والمنصورة الجديدتين.

كما شهدت سيناء تنفيذ أكثر من 550 مشروعًا تنمويًا، وإعادة بناء 284 منزلًا نوبيًا، وإنشاء 4 قرى بدوية في شمال سيناء.

الصعيد على خريطة الاستثمار

لأول مرة، تحولت مدن الصعيد إلى مناطق جذب حقيقي للاستثمار، بعد أن أطلقت الدولة 14 مدينة جديدة في وجه قبلي، منها 7 مدن في المرحلة الأولى و7 أخرى في المرحلة الثانية.

وتستوعب هذه المدن وحدها قرابة مليون نسمة، وتوفر ما يقرب من مليون فرصة عمل مباشرة، وشهدت إقبالًا غير مسبوق من شركات القطاع الخاص على الاستثمار، بحسب بيانات لوزارة الاسكان المصرية.

رأس الحكمة.. درة المتوسط

من أبرز التحولات الاستثمارية التي شهدتها مصر بعد ثورة يونيو، صفقة “رأس الحكمة” التي أُبرمت مع شركة أبوظبي التنموية القابضة.

تستهدف الصفقة تطوير مدينة متكاملة على مساحة 170 مليون متر مربع “أكثر من 40 ألف فدان”، تضم أحياء سكنية لجميع الشرائح، وفنادق ومنتجعات عالمية، وخدمات تعليمية وصحية، ومنطقة حرة، ومنطقة صناعية خفيفة وتكنولوجية، ومركزًا ماليًا للأعمال.

المدينة ستكون تحت إدارة شركة قابضة مصرية-إماراتية باسم “رأس الحكمة”، وتمثل نقطة ارتكاز جديدة على ساحل البحر المتوسط في جذب الاستثمارات العالمية.

بنية تحتية عالمية

لم يقتصر التوسع على الإنشاءات السكنية فقط، بل دعمته الدولة بمشروعات بنية تحتية ضخمة، فنجد 2195 مشروعًا لمياه الشرب والصرف الصحي وتحلية مياه البحر، بتكلفة تتجاوز 254 مليار جنيه، و619 مشروعًا خدميًا بتكلفة 11 مليار جنيه، و18216 كم من الطرق، و136 كوبري سيارات، و42 نفقًا وكوبري للمشاة.

كما نجد مشاركة الدولة في مشروعات إستراتيجية مثل محطتي “المحسمة” بشبه جزيرة سيناء و”بحر البقر” في محافظة بورسعيد لمعالجة مياه الصرف الزراعي، بتكلفة 16 مليار جنيه.

العاصمة الجديدة

العاصمة الجديدة تعد تجسيدًا متكاملًا لمفهوم مدن الجيل الرابع، فهي تضم 7 أحياء سكنية، وحيًا ماليًا، وآخر حكوميًا، وحيًا دبلوماسيًا، إلى جانب منطقة الأعمال المركزية التي تضم أطول برج في إفريقيا.

كما تحتوي على مدينة رياضية، وأخرى ثقافية، وأكبر حديقة مركزية في الشرق الأوسط، ما يجعلها قلبًا حضاريًا جديدًا لمصر.