تونس وإيطاليا تواجهان ليبيا أمام الأمم المتحدة بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة

تصاعد خلاف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط بعد أن تقدمت تونس وإيطاليا باعتراضات رسمية لدى الأمم المتحدة على خطوط أعلنتها ليبيا بشكل أحادي لترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة.

تونس وإيطاليا تواجهان ليبيا أمام الأمم المتحدة بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة
البحر المتوسط 

وفتحت ليبيا جبهات مع كل من إيطاليا وتونس بعد بيانها الشفهي أمام الأمم المتحدة عام 2025، والذي حددت فيه من جانب واحد منطقتها الاقتصادية الخالصة استنادا إلى مذكرة التفاهم التركية الليبية وتفسيرات تعسفية أخرى لأحكام قانون البحار، وهو البيان الذي رفضته اليونان بالفعل.

وقد أثار البيان الشفهي الليبي الصادر في 27 مايو 2025 والذي أرفق بخريطة، رد فعل قويا من اليونان منذ البداية، إذ عكس محاولة فرض مذكرة التفاهم التركية الليبية جنوب جزيرة كريت، ما أدى إلى الاستيلاء على جزء كبير من الجرف القاري اليوناني.

ويعزز إثارة قضايا الترسيم الأحادي الجانب لليبيا من قبل دولتين مجاورتين أخريين هما إيطاليا وتونس، جهود اليونان الرامية إلى دفع عملية الحوار وعرض النزاع حول الترسيم أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي.

هذا، وذكرت صحيفة “بروتوثيما” اليونانية في عددها الصادر يوم الأحد، أن التحركين التونسي والإيطالي يعززان موقف اليونان في نزاعها مع ليبيا بشأن الحدود البحرية، خصوصا أن أثينا سبق أن رفضت التحركات الليبية التي تستند إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا سنة 2019.

وتقول الصحيفة: ردا على هذه التحركات من جانب ليبيا والتي جاءت نتيجة لتوقيع المذكرة التركية الليبية، فرضت أثينا أمرا واقعا على الأرض من خلال ترسيم وترخيص قطعتي الأرض جنوب جزيرة كريت لشركة شيفرون، بطريقة تتداخل مع جزء كبير من المنطقة المقدمة على أنها المنطقة الاقتصادية الخالصة الليبية استنادا إلى المذكرة التركية الليبية.

وبينما تقع القطعتان الأخريان غرب وجنوب غرب جزيرة كريت، فإنهما تتبعان خط الوسط، كما حددته اليونان بشكل دائم، في غياب اتفاق مع ليبيا، استنادا إلى أحكام قانون البحار ومع حساب دقيق للجزر والجزر اليونانية في المنطقة.

ومع ذلك، فإن قبول ليبيا للنهج اليوناني بشأن خط الوسط في جميع القطع التي حددتها وعرضتها على الشركات الأجنبية لإجراء البحوث، قد شكل سابقة إيجابية للبلاد، وفق الصحيفة.

ويضيف المصدر ذاته، “إلا أنه نظرا لعدم وجود أي أمل في التوصل إلى اتفاق، فإن صياغة مذكرة تعهد مشتركة لإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي تعدّ أولوية لليونان إذ إن شرعية المذكرة التركية الليبية نفسها ستخضع لتقدير المحكمة”.

وأفادت بأن التشكيك في التحركات الليبية الآن ليس فقط من قبل اليونان ومصر ولكن أيضا من قبل إيطاليا وتونس، ما يعزز بشكل كبير الموقف اليوناني.

  • انتهاك للحقوق والمصالح بموجب قانون البحار

أبلغت إيطاليا في رسالة إلى الأمم المتحدة بتاريخ 26 مايو 2026، عن البلاغ الشفهي الذي أجرته مع طرابلس، مطالبة بتسجيله في منشورات الأمم المتحدة ذات الصلة بقانون البحار.

كما نفت مزاعم ليبيا، التي وردت في رسالتها إلى الأمم المتحدة بتاريخ 27 مايو 2025.

وذكرت روما في بلاغها الشفهي أن “الحدود الخارجية للجرف القاري التي تدعيها ليبيا في البلاغ الشفهي المذكور، تنتهك حقوق إيطاليا ومصالحها بموجب قانون البحار، وتحديدا شرق خط طول 15°10′ شرقا وغرب خط طول 13°50′ شرقا، كما هو موضح في الخريطة المرفقة بالبلاغ الشفهي المذكور”.

ويشير البيان الشفهي الإيطالي إلى أن خطوط الطول هذه تشكل بالفعل “الحدود المحددة” التي وضعتها محكمة العدل الدولية في لاهاي في حكمها الصادر في 3 يونيو 1985 في قضية “الجماهيرية العربية الليبية / الجرف القاري المالطي” (الفقرتان 22 و79) وذلك لتحديد المنطقة الجغرافية التي تنتمي حصرا إلى الأطراف المتنازعة والتي تتجاوزها شرق وغرب خطوط الطول المذكورة”.

وبمعنى آخر، قبل الليبيون بالحدود القديمة لمنطقتهم الاقتصادية الخالصة مع إيطاليا، لكنهم حرصوا أيضا على توسيع نطاقها شمالا لتشمل مناطق ذات مصالح إيطالية.

  • رفض تونسي

من جهتها، رفضت تونس في بلاغها الشفهي إلى الأمم المتحدة بتاريخ 19 أبريل 2026 “الترسيم” الذي اعتمدته ليبيا عام 2025، معتبرة من بين أمور أخرى، أنه ينتهك قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي في قضية “الجرف القاري التونسي/الليبي” (1982).

وتؤكد تونس أن ترسيم ليبيا للحدود فيما يتعلق بالسواحل المجاورة (أي الحدود الجانبية) غير قانوني ومفرط.

وشددت تونس على أنه لا يتوافق خط الترسيم مع المنهجية التي وضعتها محكمة العدل الدولية لترسيم الجرف القاري بين تونس وليبيا في حكمها الصادر في 24 فبراير 1982، ولا مع اتفاقية التنفيذ المبرمة بين الدولتين في 8 أغسطس 1988.

كما تشير تونس إلى أن خط ترسيم الجرف القاري لا يشمل ترسيم المياه الإقليمية، وأن المحكمة لم تكن مخولة برسم خط ترسيم المياه الإقليمية بين تونس وليبيا، بالإضافة إلى أنه لا يوجد اتفاق بين تونس وليبيا حتى الآن بشأن ترسيم المياه الإقليمية.

ومع ذلك، حتى فيما يتعلق بالنقطة التي طرحتها ليبيا باعتبارها الحد الخارجي لخط ترسيم الجرف القاري، توضح تونس أن محكمة العدل الدولية في لاهاي لم تحدد بدقة نهاية خط الترسيم الممتد إلى الشمال الشرقي، مشيرة إلى أن ذلك سيتوقف على الترسيم المتفق عليه مع دول أخرى.

وترفض تونس أيضا ترسيم ليبيا الأحادي الجانب للحدود الخارجية لمنطقتها الاقتصادية الخالصة، وكذلك حدود المنطقة المتاخمة، كما ورد في رسالة ليبيا إلى الأمم المتحدة بتاريخ 26 مايو 2025.

ودعو تونس ليبيا إلى الانخراط في حوار جاد وحسن النية لمعالجة هذه القضايا.

  • تعدي على السيادة الوطنية والحقوق في الجرف القاري

من جهتها، نشرت صحيفة “تقريرا حول التحركات الدبلوماسية الأخيرة، حيث أوضحت أن كلا من تونس وإيطاليا أرسلتا خطابات رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة للتعبير عن رفضهما القاطع للمطالبات البحرية الأحادية التي أعلنتها ليبيا.

ووفقا لما ذكره المصدر، فإن هذه الدول تعتبر أن التوجه الليبي لتوسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة يمثل تعديا على السيادة الوطنية والحقوق المكتسبة في الجرف القاري، مؤكدة أن هذه المطالبات تفتقر إلى أي أساس قانوني متوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وأوضح المقال أن إيطاليا وتونس تصران على ضرورة حل أي نزاعات بحرية عبر الحوار متعدد الأطراف والمفاوضات المباشرة، بدلا من اتخاذ قرارات أحادية الجانب.

كما أفادت الصحيفة بأن إيطاليا ترى في هذه الخطوات الليبية المستندة إلى مذكرة التفاهم مع تركيا لعام 2019، محاولة لزعزعة استقرار الممرات البحرية الحيوية، بينما تؤكد تونس وفق المقال، التزامها الصارم بأحكام محكمة العدل الدولية الصادرة عام 1982 كمرجعية قانونية وحيدة لترسيم حدودها مع ليبيا.

وفي ختام تقريرها، لفتت “غرييس سيتي تايمز” إلى أن الدولتين تهدفان من خلال هذه المراسلات الدولية إلى حماية مصالحهما الاستراتيجية والطاقية في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وشدد المصدر ذاته على أن تونس وروما ترفضان تحويل المناطق البحرية إلى ساحات للنزاع، وتدفعان باتجاه الاحتكام إلى القوانين الدولية لضمان حقوق الأجيال القادمة وحرية الملاحة، معتبرتين أن أي اتفاقية تتجاهل الحقوق الجغرافية للدول المشاطئة ستظل غير معترف بها قانونياً في المحافل الدولية.

يذكر أنه في 27 نوفمبر 2019، وقعت تركيا وليبيا مذكرتي تفاهم تتعلقان بالتعاون الأمني والعسكري وتحديد مناطق الصلاحية البحرية، بهدف حماية حقوق البلدين المنبثقة عن القانون الدولي.