
تهدد عرش الدراما.. المسلسلات القصيرة جدا اختراع صيني يجتاح العالم
على عكس أشكال الدراما التي سادت لعقود طويلة، صُممت المسلسلات القصيرة جدًا (micro drama) التي تُعرَض على تطبيقات الهواتف المحمولة، وتتراوح مدة حلقاتها بين دقيقتين وثلاث دقائق فقط، وهي الآن أسرع أنواع الترفيه عبر الهواتف المحمولة نموًا في العالم.
وبعد أن كانت تُعتبر في السابق محتوى تافهًا تهيمن عليه قصص حب مبالغ فيها لأثرياء وقصص انتقام، أثبتت هذه المسلسلات جاذبيتها للجمهور الذي يبحث عن ترفيه خفيف أثناء التنقل، وقد بدأ هذا النجاح الهائل من الصين، كما يشير تقرير لـ”بلومبرج”.
على الصعيد العالمي، ارتفع متوسط الوقت اليومي الذي يقضيه المستخدمون على تطبيقات الدراما القصيرة إلى 25 دقيقة بحلول أبريل 2026، بزيادة هائلة بلغت 85% مقارنةً بيناير 2025، مدفوعًا بشعبيتها المتزايدة في الهند وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.
ويأتي هذا الارتفاع بعد فترة وجيزة من منصات البث التقليدية، التي حافظت على استقرارها عند حوالي 35 دقيقة، وفقًا لتقرير صادر عن شركة أبحاث السوق “سينسور تاور” نُشر في يونيو.
انتشار خرافي
ظهرت المسلسلات القصيرة جدًا لأول مرة في الصين حوالي عام 2018، وحققت نموًا هائلًا، لتتجاوز إيرادات شباك التذاكر السينمائي في البلاد بحلول عام 2024. ومع اقتراب السوق المحلية من التشبُّع بـ 700 مليون مشاهد، استثمرت شركات المحتوى الصينية الرائدة، مثل ReelShort و DramaBox، مئات الملايين من الدولارات في نشر هذا النموذج عالميًا.
وبحلول فبراير 2025، غمرت أكثر من 200 تطبيق للمسلسلات القصيرة الأسواق الخارجية -أي ما يقرب من أربعة أضعاف عددها في العام السابق- حيث أنتجت مجتمعة آلاف العناوين، وفقًا لمنصة التسويق الرقمي DataEye-ADX.
ثم سرعان ما أصبحت الولايات المتحدة محرك الإيرادات الرئيسي، حيث ساهمت بنسبة 37% من عمليات الشراء داخل التطبيقات عالميًا في أوائل عام 2026، على الرغم من أنها لم تمثل سوى 3% من عمليات التنزيل، وفقًا لبيانات Sensor Tower. إلا أن هذا النمو في الولايات المتحدة بدأ يتباطأ الآن، فقد انخفض إنفاق المستخدمين الأمريكيين بنسبة 11% على أساس سنوي في الربع الأول، حتى مع ازدهار هذا القطاع في أماكن أخرى.
في صناعة سريعة التطور كقصصها، تواجه المنصات منافسة شرسة؛ ففي الولايات المتحدة، اضطُرت العديد منها إلى التحول نحو الإعلانات بعد انخفاض عدد المشاهدين الراغبين في الدفع مقابل كل حلقة، بينما يجرّب المنتجون حول العالم الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف.
ووفق “بلومبرج”، لا تتجاوز تكلفة إنتاج المسلسلات القصيرة عشرات الآلاف من الدولارات، وغالبًا ما يتم تصويرها في أقل من أسبوعين، ويتقاضى كبار الممثلين ما يصل إلى 2000 دولار يوميًا. أما المسلسلات الأكثر شعبية، فتُدرّ ملايين الدولارات من المبيعات؛ عبر مزيج من الإعلانات والاشتراكات ورسوم المشاهدة.
وتشكّل النساء بين 18 و35 عامًا الشريحة الأكبر من الجمهور، حيث يتابعن بشغف أحداثها المشوقة خلال استراحات الغداء، أو أثناء التنقل من وإلى العمل، أو في أي دقيقة فراغ خلال اليوم.
تزايد الطلب
مع ازدياد المنافسة في السوق، يتوقع حدوث منافسة حادة بين المنصات خلال السنوات القليلة المقبلة، وتزايد الطلب على محتوى أوسع نطاقًا، مثل المسلسلات القصيرة البوليسية أو الغامضة. كما لم تعد هوليوود تكتفي بمشاهدة ازدهار المسلسلات القصيرة من بعيد؛ ففي مايو الماضي، أصبحت منصة Peacock، التابعة لشركة NBCUniversal، أول منصة بث أمريكية كبرى تُطلق خدمة بث فيديو عمودية مخصصة على تطبيقها للهواتف المحمولة، مُزوِّدةً إياها بمسلسلات قصيرة مُرخَّصة، مثل Fated to My Forbidden Alpha.
وقد أطلقت TikTok تطبيقها المستقل PineDrama، بينما تقوم Fox حاليًا بتقسيم موسم كامل من برنامجها الواقعي Farmer Wants a Wife إلى حلقات لا تتجاوز دقيقتين لتطبيق My Drama التابع لشركة Holywater.
كما أدى تزايد أعداد المشاهدين إلى تسارع استوديوهات الإنتاج وشركات البث المباشر؛ لترسيخ مكانتها قبل نضوج السوق، واستكشاف سبل تكييف المحتوى مع الثقافات والأذواق المحلية.
وتشير تقديرات شركة Media Partners Asia إلى أن هذه الصناعة، التي حققت إيرادات بلغت 11 مليار دولار أمريكي عالميًا في عام 2025، تسير على الطريق الصحيح للوصول إلى 26 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.
لكن نموذج الإيرادات الذي غذّى الطفرة في الصين -والذي يتقاضى ما بين 20 و50 سنتًا للحلقة الواحدة- يُظهر علامات تباطؤ، وقد أثبت عدم شعبيته في أسواق آسيا وأمريكا اللاتينية؛ حيث يُفضل المشاهدون مشاهدة الإعلانات. ومع انخفاض هوامش الربح في المسلسلات المدعومة بالإعلانات مقارنةً بالمسلسلات المدفوعة لكل حلقة، تسعى المنصات جاهدةً لخفض التكاليف، بما في ذلك التبني السريع للذكاء الاصطناعي.
حسب “بلومبرج”، تُعَد شركة ReelShort من أكثر الشركات استفادةً من دخولها السوق الأمريكية، وهي في طريقها لتحقيق إيرادات تتجاوز مليار دولار هذا العام. وبحلول عام 2027، قد تُشكّل الإنتاجات المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي أكثر من 90% من محتواها، مما يُمهّد الطريق لانخفاض التكاليف إلى 10% من مستوياتها الحالية، وفقًا لما صرّح به مؤسسها جوي جيا.
