
في يناير 2026 أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تنظيم “الإخوان” كيانًا إرهابيًا عالميًا مُصنفًا بشكل خاص “SDGT”، وشمل هذا فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان، ما دفع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، لإعلان بداية اتخاذ إجراءات رسمية لتنفيذ هذا القرار، ما جعل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي تُمرر مشروع قانون لتصنيف “جماعة الإخوان” منظمة إرهابية.
تأسيسًا على ما سبق يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على مؤشرات وجود تنظيم الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن التعرف على مواقف الدول الأخرى من تصنيفه كتنظيم إرهابي، مع تقييم الموقف الأمريكي الحالي.
مؤشرات دالة
يُمكن توضيح مؤشرات ظاهرة الإخوان في المجتمع الأمريكي من خلال النقاط التالية:
(-) التغلغل المؤسساتي: إن حضور الإخوان في المجتمع الأمريكي يعود إلى ستينيات القرن العشرين، ووفقًا لوزارة العدل الأمريكية ففي أوائل التسعينيات، خططت جماعة “الإخوان” لإنشاء شبكة من المنظمات في الولايات المتحدة الأمريكية لنشر خطاب إسلامي مُتشدد، وأصبحت مؤسسة “الأرض المقدسة” مقرها تكساس هي الذراع الرئيسية لجمع التبرعات للجنة فلسطين في الولايات المتحدة.
ويأتي إعلان ولاية تكساس في التاسع عشر من نوفمبر 2025 تصنيف الجماعة ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) منظمتين إرهابيتين، بالتزامن مع التقرير الشامل الصادر عن معهد دراسة معاداة السامية العالمية والسياسات (ISGAP)، الذي ركز بشكل أساسي على تغلغل تنظيم الإخوان داخل المؤسسات الأمريكية، دليلًا واضحًا على المواجهة الأمريكية لتوغل هذا التنظيم في المؤسسات الأمريكية.
ويُمكن تصنيف هذا التغلغل وفقًا لتقرير مجموعة الدراسات الإسلامية في آسيا والمحيط الهادئ، أن التنظيم استمر إلى نحو 50 عامًا، من خلال تأسيسه بمنظمات مجتمعية ومدارس وجمعيات خيرية وشبكات مناصرة سمحت لهم بتقديم أنفسهم كممثلين حقيقين للمجتمعات المُسلمة، كما عززوا علاقاتهم بصناع القرار والهيئات الدينية ووسائل الإعلام، واندمجوا في الحياة المدنية، من خلال تبني إستراتيجية طويلة الأمد تُعرف بـ”التمكين”، ويُمكن توضيح هذا التغلغل من المحاور التالية:
(*) المؤسسات التعليمية والمساجد: أولت المنظمات المتحالفة مع تنظيم الإخوان أولوية الاستثمار طويل الأجل في التعليم وإشراك الشباب، من خلال المدارس النظامية وبرامج ما بعد الدوام الدراسي، والجمعيات الطلابية، وفي التعليم العالي بذل التنظيم جهودًا إستراتيجية لتشكيل مجالات أكاديمية مثل دراسات الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية من خلال الأوقاف، والزمالات البحثية، وبذلك بدأ التأثير على المناهج الدراسية وبرامج البحث، والأولويات المؤسسية.
ويذكر أن تأسيس جمعية الطلاب المسلمين (MSA) والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية (NAIT)، ساعد على تطوير المساجد والمدارس الإسلامية والمراكز الإسلامية في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ما جعلهم يبنوا شبكات كما يوضح الشكل (1) من 270 مدرسة، وأكثر من 2700 مسجد، عام 2025، مقارنة بنحو 2106 مساجد، عام 2010، أي بمعدل نمو 28.2%، وهو معدل أعلى من معدل نمو السكان المسلمين في أمريكا خلال الفترة نفسها، ومن ناحية أخرى تعمل المراكز الإسلامية الحديثة كمؤسسات مجتمعية شاملة، لا تقتصر خدماتها على الشعائر الدينية فحسب، بل تشمل أيضًا البرامج التعليمية والخدمات الاجتماعية، إذ ارتفع متوسط ميزانية المسجد من 167.6 ألف دولار أمريكي عام 2010 إلى 276.5 ألف دولار عام 2020.
(-) البعد المالي: يُعتبر هذا البعد مُكتملًا مع التغلغل المؤسساتي، إذ استخدمت الشبكات المُتحالفة مع تنظيم “الإخوان” أدوات استثمارية وشراكات ملكية وقنوات خيرية، لاكتساب قدرات في قطاعات تؤثر على الرأي العام والحياة المدنية، وتستهدف هذه الإستراتيجية المالية المؤسسات ذات النفوذ الهيكلي مثل مراكز الأبحاث، المؤسسات الخيرية، وهيئات منح التمويل، ومُقدمي الخدمات الاجتماعية، وبالتالي تضخمت البنية التحتية المالية للجماعة، إذ يمتلك الصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية (NAIT) المُحدد في المذكرة التفسيرية كمركز مالي للإخوان المسلمين، سندات ملكية لأكثر من 300 مركز إسلامي في 42 ولاية.
ومن خلال هذا البُعد أثر التنظيم على وسائل الإعلام في أمريكا من خلال الاستثمارات وحصص الملكية والشراكات الرسمية مع وسائل الإعلام وشركات الإنتاج، ما خلق قنوات للتأثير التحريري وتحديد الأجندة والترويج للمتحدثين الرسمين المتحالفين.
(-) تقلد المناصب القيادية: طبقت جماعة الإخوان ما يُمكن وصفه بنهج “التغلغل العقدي” أي ممارسة استهداف المناصب الرئيسية، التي توفر نفوذًا غير متناسبة داخل الشبكات التنظيمية، فعلى الرغم إن إدارة ترامب (2017-2021) قلصَت بشكل كبير التواصل الرسمي مع المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان، لكن استمر النفوذ غير الرسمي من خلال موظفي الخدمة المدنية.
ولكن في عهد إدارة بايدن استأنف التواصل الرسمي بشكل أكبر، إذ تم تعيين أفراد ذوي انتماءات سابقة لمنظمات مرتبطة بالإخوان في مناصب مؤثرة داخل مكتب الحرية الدينية الدولية التابع لوزارة الخارجية ولجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية، ففي عام 2022 أعاد الرئيس بايدن تعيين “رشاد حسين”، الذي شغل منصب المبعوث الأمريكي الخاص لمنظمة التعاون الإسلامي، سفيرًا متجولًا للولايات المتحدة للحرية الدينية الأولية، وفي عام 2024 عيّن الرئيس بايدن “محمد السنوسي” مفوضًا في اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية، الذي قد شغل سابقًا منصب مدير العلاقات بين الأديان والعلاقات الحكومية في الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية “إسنا”.
(-) نسبة التمثيل في الكونجرس الأمريكي: على مدى العقد الماضي، شهد تمثيل المسلمين في الكونجرس الأمريكي زيادة تدريجية، ما زاد نفوذ جماعة الإخوان، ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، أصبح النواب المسلمون يُشكلون ما يقرب من 0.8% في الكونجرس الـ119.
ويأتي إعادة انتخاب عضوات الكونجرس مثل إلهان عمر (ديمقراطية من مينيسوتا) ورشيدة طليب (ديمقراطية من ميشيجان) اللتان دافعتا علنًا عن مواقف تتوافق مع وجهات نظر جماعة الإخوان بشأن مكافحة الإرهاب، والعلاقات الدولية، وشاركتا في فعاليات نظمتها منظمات موالية للجماعة، تعبيرًا عن مدى رغبة الجماعة في التأثير على النقاش العام حول السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.
(-) منظمات المجتمع المدني: يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية نحو 29 منظمة مُحددة كجزء من شبكة تنظيم الإخوان في أمريكا الشمالية، وتُنفذ هذه المنظومة الأهداف الإستراتيجية المتعلقة بإنشاء حركة إسلامية فعَالة ومستقرة بقيادة جماعة الإخوان، تدعم الدولة الإسلامية أينما وجدت، مع وجود مراكز إسلامية في كل مدينة تُشكل ركائز مؤسسية تُصبح فيها الحركات الإسلامية جزءًا من الوطن.
الموقف الدولي
إن موقف تصنيف “الإخوان” كمنظمة إرهابية، له العديد من المواقف الدولية الأخرى، ما سيتم توضيحه على النحو التالي:
(-) الموقف الروسي: تُعتبر روسيا من أوائل الدول التي صنفت الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، إذ إنه في عام 2003 أصدرت المحكمة الدستورية العليا إعلانًا بتصنيف تنظيم الإخوان كتنظيم إرهابي، لتصبح أول دولة أجنبية تقوم بهذا التصنيف، عقب أعمال تخريبية تورطت فيها الجماعة في شمال القوقاز.
(-) كازاخستان: أدركت المحكمة العليا في كازاخستان تنظيم الإخوان ضمن قائمة التنظيمات المحظورة والإرهابية في 2005، ما يُعد في إطار سياسة الدولة لمواجهة التنظيمات الدينية والسياسية التي تعتبرها تهديدًا للأمن والاستقرار.
(-) طاجيكستان: حظرت طاجيكستان جماعة الإخوان عام 2006، على الرغم من تشكيل المسلمين نحو 98% من هذا المجتمع، كما شنَت الحكومة حملات واسعة ضد أعضائها المزعومين، ففي أبريل 2021 حُكم على أكثر من مئة متهم بالسجن لمدة تتراوح بين خمس إلى ثلاثة وعشرين سنة، بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المحظورة.
(-) مصر: أعلنت مصر رسميًا أن جماعة الإخوان “منظمة إرهابية” ديسمبر 2013، عقب الأعمال التخريبية التي قامت بها في البلاد خلال هذه الفترة.
(-) السعودية والإمارات والبحرين: اتخذت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين قرارات رسمية حول تصنيف “الإخوان” كتنظيم إرهابي، عام 2014، ما جاء في إطار جهود هذه الدول لمكافحة التطرف والحفاظ على الأمن القومي والاستقرار.
(-) ليبيا: قرر البرلمان الليبي تصنيف “الإخوان” كمنظمة إرهابية، مايو 2019، ما جاء عقب جلسة عُقدت في طبرق، لمناقشة جرائم التنظيم ودعمه للميليشيات، وبالتالي اعتبر مجلس النواب الليبي الجماعة تهديدًا للأمن القومي والجيش الليبي.
(-) جزر القمر وباراجواي: اتخذت كل من جزر القمر وباراجواي إجراءات ضد الجماعة عام 2023، إذ صنف الكونجرس في باراجواي جماعة الإخوان رسميًا منظمة إرهابية، كما أدرجت جزر القمر جماعة الإخوان ضمن قائمة تضم 69 كيانًا تعتبرهم “إرهابيين”.
(-) الأردن وكينيا: أعلنت الحكومة الأردنية والكينية قرارات رسمية بحظر جماعة الإخوان وتصنيفها كمنظمة إرهابية، خلال عام 2025، ضمن جهود الدول المختلفة، لمكافحة الإرهاب.
(-) الموقف الأوروبي: تُعتبر النمسا من أوائل الدول الأوروبية التي تحظر جماعة الإخوان بموجب قانون مكافحة الإرهاب، يونيو 2021، وعملت الحكومة النمساوية على مواجهة الفكر الإسلامي المُتطرف الذي تتبناه الجماعة والجماعات التابعة لها، وتتخذ ألمانيا هذا النهج، فقد ناقشت لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الألماني مشروع قانون لحظر جماعة الإخوان بألمانيا، إذ قدم حزب البديل من أجل ألمانيا (ADF) مشروع القانون.
وبالنسبة لفرنسا فقد أطلقت الحكومة الفرنسية، مايو 2024، تحقيقًا رسميًا في الإسلام السياسي ووجود جماعة الإخوان في فرنسا، وكُلف كبار المسؤولين في فرنسا، منهم وزيرا الداخلية والخارجية بتقييم هياكل الجماعة، إذ إنه بناءً على تقارير الاستخبارات الفرنسية توسعت جماعة الإخوان من 50 ألف في 2019 إلى 100 ألف عام 2024.
ومن هنا يُمكن القول إن الدول الأوروبية تتخذ إجراءات عديدة ضد جماعة الإخوان، لكن ما زالوا لا يعملون على تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، لكن من المتوقع أن تتجه الدول الأوروبية إلى هذا التصنيف، خاصة مع محاولتها زعزعة النظام الليبرالي الأوروبي.
تقييم الموقف الأمريكي
إن الموقف الأمريكي الحالي في تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية يُمكن توضيحه على النحو التالي:
(-) توقيت القرار: يأتي إعلان الولايات المتحدة الأمريكية تنظيم الإخوان كتنظيم إرهابي، والتحركات المُكثفة التي يأخذها الكونجرس الأمريكي في هذا النطاق، ليست المرة الأولى من نوعها، فقد كانت إدارة ترامب في الفترة الأولى تتبنى نهج أكثر عدائية مع تنظيم الإخوان، وبالتالي فالقرار من الطبيعي أن يصدر في الولاية الثانية من رئاسته، خاصة في ظل تصريح البيت الأبيض بأن جماعة الإخوان “ألهمت ورعت ومولت” جماعات مسلحة في الشرق الأوسط، الأمر الذي يُهدد بشكل مباشر أمن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.
كما يأتي هذا القرار على سبيل الموائمة بين السياسة الأمريكية والإجراءات التي اتخذتها دول أخرى صنفت جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية كما وضحها الجزء الثاني من التحليل.
(-) مدى قابلية تنفيذ القرار: على الرغم من وجود محاولات متكررة داخل الكونجرس الأمريكي تستهدف الوصول إلى تصنيف شامل للتنظيم ككل، إلا أنه توجد اتجاهات أخرى ترى أن طبيعة الجماعة المتشعبة واختلاف فروعها من دولة لأخرى لا تتطلب تصنيف شامل لها.
ولكن على الرغم من هذا الشد والجذب داخل الكونجرس، نستطيع القول إن الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، التي تتضمن ربط الإخوان مباشرة بالبنية الفكرية لتنظيمات مثل القاعدة وداعش، تُعزز التوجه نحو قانون نافذ لتصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي، خاصة مع وجود أغلبية قوية للحزب الجمهوري في الكونجرس.
في النهاية يُمكن القول إن المحاولات الأمريكية الحالية لإدراج جماعة الإخوان ضمن التنظيمات الإرهابية يأتي في سياق التوجه الدولي، ما يُعد تصريحًا عالميًا بأن التنظيم لا ينقل الصورة الصحيحة للإسلام، كما أنه يتورط في العديد من الأعمال التخريبية، التي تستهدف أنظمة الدول، لكن لن تأتي هذه المحاولات ثمارها حتى يتم الخروج بقانون نافذ من قبل الكونجرس الأمريكي.
