
حذّر مسؤولون اقتصاديون من أن إعادة فتح مضيق هرمز الموعودة “جاءت متأخرة جدًا”، بحيث لا يمكن أن تنقذ بعض أفقر دول العالم من الضائقة الاقتصادية والمالية، مع أنها في الوقت نفسه تزيل بعض القيود المفروضة على آفاق الدول الأكثر ازدهارًا.
وفي كلمتها في ختام اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي في واشنطن، أمس الجمعة، حذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة للصندوق، من أن الأزمة في الشرق الأوسط “ستظل تشكّل تهديدًا خطيرًا للاقتصاد العالمي حتى لو انتهى الصراع غدًا”.
ونقلت عنها صحيفة “فايننشال تايمز” إن هناك نحو اثنتي عشرة دولة قد تحتاج إلى دعم إضافي من المقرضين الرسميين في حال تدهور الأوضاع.
وأضافت أن معظمها في إفريقيا، وأن ما بين خمس إلى ثماني دول منها مشاركة في برامج صندوق النقد الدولي التي قد تتطلب “زيادة التمويل”.
وسلّطت جورجيفا الضوء على الضغوط التي تواجهها الدول الأفقر والأكثر اعتمادًا على الواردات، التي تعاني من محدودية الحيز المالي، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات التضخمية.
وقالت: “يؤلمني أن غالبية دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تقع ضمن هذه الفئة من الدول الأكثر عرضة للخطر”.
كما حذّر آدم بوسن، رئيس معهد “بيترسون” البحثي، من “ضربة ثلاثية” لمستوردي الطاقة من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والأسمدة، إضافة إلى قوة الدولار. مضيفًا أن “هذا عالم ستكون فيه المعاناة أكبر بكثير على العالم النامي مقارنة بالعالم ذي الدخل المرتفع”.
تخريب الاقتصاد
تشير “فايننشال تايمز” إلى أن تحذيرات المشاركين في اجتماع الربيع أكدت على الطبيعة غير المتكافئة لأزمة الطاقة والآثار طويلة الأمد للأزمة، التي يحذر المحللون من أنها ستترك آثارها على الإنتاج وستبقي أسعار النفط والغاز مرتفعة.لافتة إلى أن المشاركين “يشعرون بالغضب الشديد في السر بسبب الضرر الذي ستلحقه الإجراءات الأمريكية بالاقتصاد العالمي”.
ونقل التقرير عن أحد محافظي البنوك المركزية الأوروبية: “الحرب هي تخريب اقتصادي عالمي”.
أما أندريه دومانسكي، وزير المالية البولندي، فلفت إلى أن الأزمة “قد يكون لها تأثير محدود للغاية على الاقتصاد العالمي ككل، إذا انتهت بسرعة”. لكنه كان أقل تفاؤلًا بكثير بشأن التداعيات على البلدان ذات الدخل المنخفض والنامية التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة.
وقال: “عندما أرى ارتفاع العوائد في الأسواق الناشئة، أو دول جنوب الصحراء الكبرى، يمكن للمرء أن يفهم أن الألم لا يتم توزيعه بالتساوي”.
وقد خفّض صندوق النقد الدولي في تقريره عن آفاق الاقتصاد العالمي توقعات النمو للاقتصادات الناشئة والنامية بنسبة 0.3 نقطة مئوية، بينما بقيت التوقعات للاقتصادات المتقدمة ككل دون تغيير. على الرغم من أن بعض البلدان عانت من تخفيضات ملحوظة.
كما امتدت أزمة نقص الوقود لتشمل دولاً في أنحاء إفريقيا، من إثيوبيا إلى سيراليون. وفي بعض الدول، أثر انقطاع إمدادات الوقود على توليد الكهرباء والنقل، بينما أدى ارتفاع أسعار الأسمدة إلى زيادة أسعار المواد الغذائية.
ووفقًا لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، أكثر من ثلث دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى معرضة لخطر كبير من أزمة الديون أو تعاني منها بالفعل، بينما في 21 دولة بلغت العجوزات المالية مستويات أعلى مما هو مطلوب لتحقيق استقرار الديون.
ونقلت “فايننشال تايمز” عن وزير المالية في جمهورية الكونجو الديمقراطية، دودو روسيل فوامبا ليكوندي، إن قدرة دول المنطقة على مواجهة الصدمة التضخمية ستعتمد على حالة اقتصاداتها وجهودها لمعالجة الديون في السنوات الأخيرة.
قال: “إن الدولة التي تتمتع بأسس متينة قادرة على تجاوز الأزمة. نعم، سنتأثر على الصعيد العالمي، ولكن بما أننا نجري إصلاحات ضخمة، فإننا نؤمن بأن الأسس المتينة ستساعدنا على تجاوزها”.
ومن المقرر أن يجتمع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتقييم أي البلدان هي الأكثر عرضة للخطر ومقدار الدعم المطلوب أثناء دراستهم لمجموعة من خيارات التمويل المحتملة.
تفاؤل أمريكي
على النقيض من تلك التحذيرات والمخاوف الدولية، كانت الرسائل الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين أكثر تفاؤلًا بكثير. وأكد كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، أن العالم بأسره أصبح أكثر مرونة مما كان عليه في مواجهة ارتفاع أسعار النفط.
وأضاف: “انخفض تأثير صدمة أسعار النفط لأننا أصبحنا أكثر كفاءة في استخدام الطاقة”.
كما أشاد المسؤولون الأمريكيون بآفاق الاقتصاد الأمريكي بفضل الطفرة المستمرة في مجال الذكاء الاصطناعي ومكانة الولايات المتحدة كمصدر صافٍ للطاقة.
وقد خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي لعام 2026 بشكل طفيف إلى 2.3%، وهو ما يمثل تسارعًا مقارنةً بنسبة النمو المسجلة في العام الماضي والبالغة 2.1%.
مع ذلك، نقلت الصحيفة البريطانية عن إيزابيل ماتيوس إي لاجو، كبيرة الاقتصاديين في بنك “بي إن بي باريبا”، أنها تتوقع أن تؤدي صدمة الطاقة إلى تفاقم الفجوة ليس فقط بين الدول الغنية والفقيرة، ولكن داخل الولايات المتحدة نفسها.
ويقع جزء كبير من عبء ارتفاع أسعار الوقود على عاتق أفقر الأمريكيين، الذين يميلون إلى إنفاق نسبة أكبر بكثير من دخلهم على الوقود مقارنة بنظرائهم الأكثر ثراءً.
في غضون ذلك، استفاد الأمريكيون الأكثر ثراءً أخيرًا من استرداد الضرائب الكبيرة وتأثير الثروة الناتج عن ارتفاع أسعار الأسهم، حيث سجّل مؤشر “ستاندرد آند بورز” 500 الأسبوع الماضي مستوى قياسيًا جديدًا.
