
تأمين عبور النفط وحصار إيران.. مهمة مزدوجة ترهق البحرية الأمريكية
كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، أن البحرية الأمريكية تُدير منذ مايو الماضي، عملية سرية لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، نجحت في تمرير نحو 5 ملايين برميل يوميًا عبر الممر الجنوبي للمضيق، رغم الهجمات الإيرانية المتواصلة، في مسعى أمريكي لإبقاء شريان الطاقة العالمي مفتوحًا وتفادي موجة ارتفاع جديدة في أسعار النفط، بينما تُصعد طهران ضغطها وتطالب بسيطرة دائمة على حركة الملاحة في أحد أكثر ممرات المياه حساسيةً في العالم.
فجوة تملؤها البحرية الأمريكية
تشير الصحيفة الأمريكية إلى أنه قبيل اندلاع الحرب، كانت نحو 15 مليون برميل من الخام تعبر مضيق هرمز يوميًا بحرية تامة، قبل أن تشل الهجمات الإيرانية حركة الناقلات، وتفضي إلى تراجع حاد في إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية.
غير أن المشهد بدأ يتبدل تدريجيًا، إذ رافقت القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 1000 سفينة عبر الممر الجنوبي المحاذي لسلطنة عُمان، بعيدًا عن الجانب الذي تُحكم إيران قبضتها عليه، مستعينةً بسفن حربية ومروحيات وطائرات لاعتراض المُسيَّرات والصواريخ.
وبحلول يوليو، بلغ حجم النفط العابر في كنف هذه الحماية نحو 5 ملايين برميل يوميًا، بحسب محللين متخصصين تستشهد بهم الصحيفة، بعد أن كان أربعة ملايين في يونيو، في مسار تصاعدي يعكس توسع العملية منذ انطلاقها.
وتُغلق معظم الناقلات أجهزة تتبعها خلال العبور تفاديًا للرصد الإيراني، ما يُصعِّب الحصول على صورة كاملة عن حجم الحركة الفعلية في المضيق.
نجاح مكلف والفاتورة تتصاعد
وصفت ميشيل وييز بوكمان، المحللة في شركة Windward للتحليل البحري، هذه العملية بأنها “من المفاجآت الناجحة”، مشيدةً بفاعليتها في إبقاء الممر الجنوبي مفتوحًا رغم وطأة الهجمات، غير أن هذا النجاح لا يأتي بلا ثمن باهظ، إذ رصدت “نيويورك تايمز” تعرض ما لا يقل عن 15 سفينة للضرب منذ مطلع يونيو، ما أسفر عن إصابة 16 بحارًا ومقتل اثنين، استنادا إلى بيانات المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة.
وفي مطلع هذا الأسبوع، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية التابعة للبحرية الملكية مقتل فرد من طاقم ناقلة أخرى، في أثناء إبحارها قرب السواحل العُمانية.
ومن أبرز المشغلين الذين جازفوا بهذا الطريق شركة Dynacom اليونانية التي تعرضت اثنتان من ناقلاتها للضرب في 19 يوليو، فيما اضطر طاقم إحداهما إلى إخلائها.
كذلك كشفت شركة “أدنوك” الإماراتية أن 18 من سفنها تعرضت للهجوم منذ بداية الحرب، ما أودى بحياة أحد أفراد الطاقم وأسفر عن إصابة 20 آخرين، مؤكدةً أنها “تتخذ تدابير مكثفة لحماية موظفيها وأصولها.
أما على صعيد الكُلفة التشغيلية، فقد وصف جوشوا تاليس، المحلل في مركز تحليلات البحرية الأمريكية، هذا المجهود بأنه “بالغ الكثافة” من حيث استنزاف الموارد البشرية والمادية، لافتًا إلى أن واشنطن باتت تُنفق طاقة عسكرية ضخمة على مهمة لم تكن مطلوبة قبل الحرب.
أسطول مُرهَق وقواعد مُدمَّرة
توضح الصحيفة الأمريكية أن الضغوط تتفاقم على البحرية الأمريكية مع اتساع نطاق عملياتها في المنطقة، إذ تُدير القيادة المركزية جبهتين متوازيتين، وهما مرافقة الناقلات عبر الممر الجنوبي من جهة، وتطبيق حصار بحري على الموانئ الإيرانية أضر بصادرات طهران النفطية وحرمها من عائدات حيوية من جهة أخرى.
وتنتشر حاليًا نحو 20 سفينة حربية أمريكية في خليج عُمان وما جاوره، بينها حاملتا الطائرات أبراهام لينكولن وجورج بوش الأب وعدد من المدمرات المرافقة لها.
ويزيد المشهد تعقيدًا أن الهجمات الإيرانية دمرت فعليًا القاعدة البحرية في المنامة منذ اليوم الأول للحرب، فأصبحت سفن الإمداد مضطرة إلى قطع رحلات تستغرق أكثر من خمسة أيام في الاتجاهين نحو جزيرة دييجو جارسيا البريطانية جنوب المحيط الهندي.
وأمضت حاملة الطائرات لينكولن في البحر أكثر من تسعة أشهر متواصلة دون رسو في ميناء، فيما لم تُحدَد علنًا بعدُ بديلاً لحاملة بوش المنتشرة منذ مارس الماضي، وهو ما يُلقي بظلاله على قدرة واشنطن في الحفاظ على هذا الانتشار الاستثنائي مع تمدد الحرب.
إيران تُصعد وتطالب بحق السيطرة
في خضم هذا الصراع، لا تُخفي طهران طموحاتها، فهي تُطالب بسيطرة دائمة على حركة الملاحة في المضيق، وهو المطلب الذي لم يكن مطروحاً قبل الحرب، فيما تحتفظ بقدرة التصعيد ضد ناقلات المنطقة كلها، بما يشمل المنشآت النفطية في دول الخليج.
وفي هذا السياق، آثرت كبرى شركات الشحن العالمية البقاء بعيدًا عن المضيق في انتظار هدنة دائمة، فيما تعمل دول الخليج على ضخ كميات أكبر من النفط عبر خطوط أنابيب برية بديلة، تحسبًا لمزيد من التصعيد.
ورغم الاختراقات المتكررة للحماية الأمريكية، أكد الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية، أن العملية لا تزال تؤدي مهمتها: “عدد السفن العابرة اليوم أكبر مما كان عليه في السابق، وهذا يقول كل شيء”.
